ملخص قبل بدء تطبيق قرار الإغلاق المبكر، الذي يطلق عليه المصريون "قفل القهاوي"، على رغم أن الإغلاق يشمل كل المحال ذات الأنشطة التجارية، باستثناء تلك المندرجة تحت بند "ضرورات وطوارئ" مثل المخابز والصيدليات، تساءل المصريون في نفس واحد: متى ينتهي الإغلاق؟
لم يحدث في تاريخ المصريين، القديم أو الحديث أو المعاصر، أن تعاملوا مع حدث أو أزمة أو مشكلة أو مصيبة دون أن يحولوا جزءاً منها إلى مادة للسخرية ومثار للتنكيت. يقول البعض إنها طبيعة، ويرجح البعض الآخر إنها ملكة مكتسبة بفعل عنصري التسليم بالقدر مع اعتناق مبدأ "ليس في الإمكان أسوأ مما كان"، فيما يرى فريق ثالث إن السخرية من الواقع الصعب آلية دفاعية بغرض المقاومة، ووسيلة ومنهم للتحمل والاستمرار. وسواء كان هذا أو هذه أو تلك، يبقى المصري شاكياً من الأحوال دوماً، وساخراً من الأوضاع على طول الخط.
الحلقة الأحدث من الشكوى والسخرية، أو مقاومة الوضع بالتنكيت، أو بلع المصاعب بالميمز والقفشات، هي البيان الحكومي الصادر في شأن اتخاذ عدد من الإجراءات لترشيد استهلاك الطاقة، وذلك في ظل الآثار الاقتصادية والتجارية الناجمة عن حرب إيران.
وعلى رغم تضمن البيان حزمة من الإجراءات، بين تأجيل إنجاز مشروعات تعتمد على استهلاك كميات كبيرة من السولار، وتطبيق نظام العمل من المنزل في بعض الجهات الحكومية، وإغلاق المحال في تمام التاسعة مساءً أيام الأسبوع، والعاشرة في نهايته، مع تخفيض إضاءات الشوارع ليلاً، فإن الغالبية المطلقة من المصريين لم تتوقف وتتأمل وتتململ إلا من قرار إغلاق المحال، تحديداً المقاهي، التي هي ملجأ للهاربين من المسؤوليات الأسرية وأجواء البيت السلبية، والمتضررين من رقابة الأهل، وكذلك للباحثين عن لقمة عيش، سواء إضافية بعد انتهاء مواعيد العمل الرسمية، أو باعتبارها المصدر الرئيس للرزق القائم على القاهرة وباقي المدن المصرية صاحبة لقب وسُمعة "البلد الذي لا ينام".
مشاهدة الإغلاق قبل بدء تطبيق قرار الإغلاق المبكر، الذي يطلق عليه المصريون "قفل القهاوي"، على رغم أن الإغلاق يشمل كل المحال ذات الأنشطة التجارية، باستثناء تلك المندرجة تحت بند "ضرورات وطوارئ" مثل المخابز والصيدليات، تساءل المصريون في نفس واحد: متى ينتهي الإغلاق؟
السؤال الذي يعكس ضجراً وحزناً وتمنياً بأن يكون القرار من ذلك النوع القابل للإلغاء السريع تحت ضغط تململ الشارع الراغب في السهر خارج البيت، أو الباحث عن دخل يتكسب منه جراء الساهرين خارج البيت، خفت قليلاً بعد بدء التطبيق.
التخفيف عن الكاهل يأتي من بوابات عديدة، والكثير منها وثيق الصلة بعوامل أنثروبولوجية وثقافية ونفسية. وميل البعض، بما في ذلك شعوب بأكملها للسخرية والنكتة والدعابة، يمكن تفسيره في ضوء أسباب ثقافية وسياسية واقتصادية، وكذلك شخصية.
يصدر بيان في العاشرة صباحاً، يعلن أن الحكومة قررت إغلاق المحال والمراكز التجارية في وقت مبكر، فتتفجر ينابيع الدعابة في العاشرة والنصف. يعقد مجلس الوزراء اجتماعاً لإعلان تفاصيل الإجراءات الجديدة، تسبقه الجموع الحاشدة متداولة "الميمز" الساخرة ومشاركة التعليقات الضاحكة قبل معرفة التفاصيل.
سيبقى الشعب الذي يهرع إلى الشارع لـ"الفرجة على الإغلاق" سبقاً في تاريخ الأمم وحاضرها. هذه الجموع الحاشدة التي تقرر، من دون اتفاق مسبق فيما بينها، أن تغزو الشارع في التاسعة وخمس دقائق من كل ليلة لمشاهدة الإغلاق، وتلك المجموعات من الأصدقاء والصديقات التي تتفق على لقاء أمام هذا المقهى المغلق، أو ذلك الكشك المتحايل على القرار، لكونه بين بينين، فلا هو محل أو مقهى، يصعب أن تجدها في بلد آخر اتخذ قرار الإغلاق.
سمّها آلية تكيف، أو اعتبرها مسكن آلام، أو تعامل معها على أنها وسيلة تاريخية مجربة وثبت نجاحها في اجتياز المصاعب بأقل خسائر نفسية وعصبية ممكنة، لكنها تظل في نهاية الأمر مشاهد بالغة التفرد، ومثيرة للعجب للجميع، باستثناء المصريين. لماذا؟ لأنها أسلوب حياة.
في مثل تلك الأجواء الغامضة والمثيرة، لا سيما أنها على خلفية حرب مستعرة على بعد كيلومترات معدودة، تتداخل الأسباب، وتتعدد الوسائل أيضاً التي يتبعها المصريون للتعامل والتأقلم والعبور من الأزمة.
أخبار عدة يتداولها المصريون غير محددة المصادر وغير مؤكدة، لكنها تكشف عن جانب السخرية غير القابل للإنكار أو التقليل أو التجاهل. مواطن دخل الحمام في مقهى في التاسعة إلا خمس دقائق، خرج في التاسعة ودقيقة ليجد نفسه وحده في ظلام دامس وقد أغلق المقهى أبوابه، وانصرف العاملون والزبائن.
معركة كلامية تنشب في مقهى آخر بعدما دقت التاسعة بينما كوب شاي أحد الزبائن في المنتصف. الشرطي على الباب يهدد صاحب المقهى بالإغلاق، وإلا المحاسبة، صاحب المقهى يطالب الزبون بثمن الشاي، الزبون يصر على دفع ثمن نصف الشاي فقط.
جدال في المقهى جدال في مقهى بين الرواد حول من يسدد فاتورة إغلاق المقاهي وحرمان الملايين من المتعة الوحيدة والترفيه اليتيم في حياتهم، هل هو "المرشد الإيراني"، أم "الرئيس الأميركاني"؟ قبل أن يطالب أحدهم بإضافة "حزب الله" اللبناني إلى قائمة المطالبين بالسداد.
أما "المكوجي" الذي يواصل عمله في كيّ الملابس بعد ساعات الإغلاق من داخل سيارة ربع نقل، فمثار جدال قانوني، هل يقع تحت طائلة العقاب لمن لم يحترم القرار، أم أنه موجود في سيارة، لا محل؟! وكذلك الحلاق الذي يقص شعر زبائنه وسط الطريق أمام محله المغلق بعد التاسعة، وسط تبريكات وتنكيتات المارة على الحلاق والزبون.
يختلط جد الإغلاق بهزل التعامل مع شعور قطاع عريض من المصريين بالحبس في فترة المساء والسهرة، ولا يخلو الأمر من قدر معتبر من تفهم الأوضاع الطارئة، والضرورات التي تبيح محظورات التقاط الأنفاس بعد ساعات العمل، وكذلك الدخل الذي يعتمد عليه كثيرون من عمل الفترة المسائية.
سخرية، وكوميديا تميل إلى اللون الأسود كثيراً، وعلى رغم ذلك خفيفة الظل، شديدة الذكاء، ترسل وتستقبل رسائل يستحيل توصيلها في أحلك الأحوال.
الكاتب والسيناريست ناصر عبدالرحمن وثق في مقال عنوانه "الشخصية المصرية الساخرة" (2025) هذه التركيبة الفريدة التي تفرض نفسها وتعبر عن روح شعب بأكمله في أصعب الظروف. حروب، وثورات، وضوائق اقتصادية، وقلاقل سياسية، وقائمة الظروف الصعبة تطول، لكن جميعها يلجأ دائماً إلى الجانب الساخر لدى المصريين علاجاً وتسكيناً وتأقلماً. يقول: "السخرية المصرية تجمع بين الكوميديا السوداء والتمرد. الساخر يتمرد على واقعه، يتمرد على إحباطه، يتمرد على نفسه، على مستقبله، على ماضيه، على قيده، وعلى يأسه. الساخر ذكي نبيه شديد الحساسية، لكن السخرية لا تخلو من شجاعة تخفى ضعفاً".
ويضيف عبدالرحمن، "الساخر تاريخ طويل من السنين المحملة بالأوجاع، الساخر مصري صميم. السخرية في الشخصية المصرية قاسم مشترك بين المصري القديم والحديث، من ملامح السخرية تحقيق السعادة، والوجود وتجاوز العثرات. السخرية مفتاح سحري لإظهار المشكلات، ولغة ذكية بين المصريين. منذ المصري القديم والسخرية علاج نفسي، عابر.....
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه
هذا المحتوى مقدم من اندبندنت عربية

