لم يأتِ الشريط الوثائقي الذي نشرته قناة “فرانس 5″، مساء يوم الأحد، بخصوص العلاقات المغربية الفرنسية، بأي معطى جديد أو بمعلومات غير مسبوقة، بل أغرق هذا التقرير الفرنسي لصاحبه بينوا برينجيه، ومخرجه جون لويس بيريز، في إعادة تدوير أخبار متداولة ومعطيات مغلوطة، مثله في ذلك مثل مؤلفات وتقارير “الابتزاز” التي سبق أن نشرها أو هدد بها صحافيون فرنسيون في تعاطيهم مع قضايا المغرب.
لكن السؤال الذي يطرح نفسه بإلحاح ينصرف إلى خصوصية السياق الزمني الذي نشر فيه هذا التقرير، أكثر مما يتعلق بمحتوى التقرير ذاته! ولئن كان السياق هو الذي يعطي معنى للأشياء، فإن فهم منطلقات وخلفيات هذا الشريط الوثائقي الجديد يفرض علينا أولاً تحليل ومعالجة الإطار العام الراهن للعلاقات المغربية الفرنسية.
سياق غير بريء!
مبدئياً وظاهرياً، وهذه هي الرسالة المعلنة لصاحب الشريط ومخرجه، هو أن هذا الفيلم الوثائقي يُحلل العلاقة السياسية والتاريخية والشخصية بين فرنسا والمغرب، بدءاً من فترة الحماية (1912)، وصولاً إلى ما سماه “بالتوترات الدبلوماسية الراهنة”.
كما يُقدم الفيلم منظوراً فريداً حول علاقة ثنائية بين البلدين، اتسمت بالانجذاب تارةً، والصراعات تارةً أخرى، والمصالحة في أحيان كثيرة، بين بلدين قال أنهما “مُجبرين على التفاهم” رغم اختلافاتهما المستمرة.
وقد تم الادعاء والزعم، وهذا أمر جلي لا يحتاج لتأكيد، بأن سياق نشر هذا الفيلم يأتي بالتزامن مع تخليد الذكرى السبعين لاستقلال المغرب، ضمن أمسية اعتبرها معدو الشريط “مُخصصة لتاريخ المغرب المعاصر”.
لكن المتتبع لطبيعة العلاقات المغربية الفرنسية يدرك جيداً بأن توقيت بث هذا الفيلم الوثائقي في السياق الراهن لم يكن مصادفةً ولا اعتباطياً. ولم يكن أيضاً بمناسبة تخليد ذكرى سنوية الاستقلال كما يزعم الواقفون وراء إعداد هذا التقرير.
ولماذا كل هذا الجزم؟ الجواب بكل بساطة يرجع لعدة أسباب: أولها أن مجموعة “فرانس تيليفيزيون” التي تبث الفيلم على واحدة من قنواتها معروفة تاريخياً بموقفها غير الصديق، حتى لا نقول العدائي، للمغرب ونجاحاته ومكتسباته الداخلية والإقليمية.
وبالتالي، فإن الحديث الظاهر عن توقيت البث المزامن لذكرى الاستقلال هو رسالة إشهارية، تضمر في حقيقتها خلفيات تشهيرية في حق المغرب ومصالحه العليا.
ومما يعزز هذا الطرح هو أن توقيت بث هذا الفيلم الوثائقي يأتي متزامناً مع وضع اللمسات الأخيرة على مضمون الشراكة الاستراتيجية غير المسبوقة بين المغرب وفرنسا، وهي شراكة يُتوقع أن تُتوّج بلقاء ثنائي بين قائدي البلدين في المستقبل المنظور.
وكما رشحت بذلك تقارير إعلامية ودبلوماسية من الجانبين المغربي والفرنسي، من المرتقب أن تمنح هذه الشراكة الاستراتيجية للمغرب مكانةً فريدةً ومميزةً، لم يسبق أن مُنحت لأي دولة في جنوب البحر الأبيض المتوسط، في عدة مجالات: من بينها الاقتصاد والاستثمار والثقافة والسياسة والأمن وغيرها.
فلماذا إذن يتم نشر تقرير صحافي يصدح بإعادة تدوير المغالطات المسيئة للمغرب، في سياق مطبوع بالمصالحة التاريخية والتقارب الودي بين المغرب وفرنسا؟ خصوصاً بعد الموقف التاريخي للرئيس الفرنسي إمانويل ماكرون بشأن الاعتراف بسيادة المغرب على صحرائه.
كما يحق لنا أن نتساءل كذلك بشكل مشروع، حول ما إذا كانت هناك جهات رسمية أو إعلامية داخل فرنسا ممتعضة أو رافضة تماماً للتقارب المغربي الفرنسي؟ أو أن هناك مجموعات ضغط فرنسية، أو قريبة منها، تدفع في اتجاه تعكير صفو العلاقات الثنائية الفرنسية المغربية، لحساب التقارب الفرنسي الجزائري؟ خصوصاً مع الارتفاع الحاد مؤخراً في أسعار المحروقات الذي يعزز موقف الجزائر في مواجهة فرنسا على وجه الخصوص، وأوروبا عموماً.
أكثر من ذلك، فإن تنامي النفوذ المغربي في محيطه القاري، وإعادة تشكيله للتحالفات الجيوسياسية – لحسابه – في المعاقل التقليدية للنفوذ الفرنسي في إفريقيا، يدفع بدوره إلى التسليم بأن هناك جهات داخل فرنسا تراهن على التشويش الإعلامي لكبح “الجموح” المغربي في إفريقيا. فهذه الجهات ترفض التخلي عن صفة “الأخ الأكبر” التي اكتسبتها فرنسا في وقت الحماية، ويحز في نفسها أن يزاحم المغرب قوته الاستعمارية السابقة على مراكز النفوذ.
ولا يمكن أن نغفل أيضاً، بأن بث هذا الفيلم الوثائقي الجديد يأتي في سياق موسوم بتزايد متانة الشراكة المغربية الأمريكية، وتواتر المواقف الإيجابية للرئيس دونالد ترامب إزاء المصالح الاستراتيجية للمملكة المغربية، وهو ما تفسره بعض الأوساط الفرنسية بأنه تعزيز لدور المغرب على حساب مصالح فرنسا، التي كانت حتى الأمس القريب الشريك الاستراتيجي الأول للمغرب.
أحقاد ذاتية!
لفهم خلفيات ومنطلقات الفيلم الوثائقي الفرنسي الجديد، يجب أن نستحضر أولاً من هو مخرج الفيلم جون لويس بيريز؟ وما هي علاقته بالمغرب؟ وهل لديه سوابق عدائية ضد المصالح المغربية؟
فمخرج الشريط الجديد هو نفسه الشخص الذي أخرج في عام 2015 الفيلم الوثائقي “ملك المغرب: الحكم السري”، الذي بثته قناة FR3! وهذه السابقة تؤكد بأننا أمام أعمال تلفزيونية ممنهجة تتضمن إشارات غير ودية إزاء المغرب.
ولعل ما يدعم هذه الفرضية هي أن المخرج ذاته سبق توقيفه بالمغرب في شهر فبراير 2015 أثناء تصويره، برفقة المصور بيير شوتار، لعمل تلفزيوني بدون التوفر على الترخيصات الضرورية من المركز السينمائي المغربي ومصالح وزارة الاتصال وغيرها.
وتشير مصادر متطابقة، بأن جون لويس بيريز كان قد لجأ وقتها إلى مقر الجمعية المغربية لحقوق الإنسان بالرباط، قبل أن يتم بادرة من السلطات المغربية المختصة بإبعاده من التراب الوطني لعدم احترامه للمقتضيات القانونية والتنظيمية المؤطرة للعمل التلفزيوني والإعلامي بالمغرب.
واللافت للانتباه، أن هذا الإبعاد تزامن مع زيارة وزير الداخلية الفرنسي حينئذ برنار كازنوف إلى الرباط في 14 فبراير 2015، حيث أعلن وقتها منح وسام جوقة الشرف (برتبة ضابط) للمدير العام للأمن الوطني ولمراقبة التراب الوطني السيد عبد اللطيف حموشي، رافضاً بشكل قاطع التدخل لصالح جون لويس بيريز والمصور اللذين تم إبعادهما من المغرب.
فهذه المعطيات الشخصية تكشف للمشاهد المغربي الخلفيات الحقيقية التي تحرك مخرج هذا الوثائقي الفرنسي الجديد، وتسمح له بفهم النفور الواضح ضد مصالح المغرب ومؤسساته الأمنية.
وفي سياق متصل، لا بد من استحضار معطى آخر مهم مؤداه أن هذا الفيلم الوثائقي يأتي في سياق حملة إعلامية فرنسية ممنهجة ضد المغرب، بلغت ذروتها مؤخراً في مقالات نشرتها صحيفتا “ليكيب” و”لوموند” حول بطولة كأس الأمم الأفريقية التي نظمت بالمغرب. علاوة على ذلك، تستعد صحيفة “لوموند” لنشر كتاب يستند إلى نفس الملفات المشروخة التي تداولها الشريط الجديد.
وهذا التحامل المتواتر يشير، بشكل دامغ، إلى أن جهات نافذة داخل الدولة العميقة الفرنسية تتولى تصريف أجندات معادية لمصالح المغرب. ويجد هذا الترجيح حجته الساندة في كون الفيلم الوثائقي الفرنسي الأخير قدم وجهين لفرنسا في حالة صراع: الأول (الدولة العميقة أو المخزن الفرنسي) يتوق إلى الحقبة الاستعمارية؛ والوجه الثاني (فرنسا براغماتية في طور التكوين)، تأخذ في الحسبان التغيرات العميقة في العالم، بما فيها تموقع المغرب الجديد، وتسعى للحفاظ على مصالحها بوسائل غير القوة، لكنها لم تتحلَّ بعد بالتواضع أو الشجاعة للاعتراف بذلك.
انتقائية وانحياز تحريري
لا يمكن أن يغفل المتتبع لهذا الفيلم الوثائقي الطابع الانتقائي للمواضيع المطروحة للنقاش، والتي تم اختيار بعضها بشكل متعمد، ليس لتجسير العلاقة بين البلدين والدفع بها نحو آفاق أكثر نفعاً للشعبين الصديقين، كما يدعي أصحاب الفيلم، وإنما لإثارة ندوب خلافات سياسية وأمنية وإعادة إحيائها رغم تضميدها بالمصالحة السياسية الأخيرة.
فقد تم تقديم هذا الفيلم الوثائقي على أنه جاء ليعالج قضايا رئيسية في العلاقات المغربية الفرنسية، مثل تداعيات الإرث الاستعماري والقضايا التأسيسية المشتركة التي لم تُحسم بعد من حيث الذاكرة الجماعية، والأزمات الدبلوماسية الطارئة بين البلدين، ومعالجة البعد الإنساني والرمزي في هذه العلاقة، وكذا تسليط الضوء على ما تم وصفها ب”المناوشات الدبلوماسية الصامتة”، أو التوترات الجيوسياسية في العقد الثالث من الألفية الثانية، حيث لم يعد المغرب يتردد في خوض صراعٍ سياسي على النفوذ مع فرنسا.
لكن المثير والمؤسف في آن واحد، هو أن مجموعة “فرانس تليفزيون”، ومعها معد ومخرج هذا الفيلم الوثائقي، أدرجا في صلب القضايا الرئيسية للعلاقات المغربية الفرنسية مواضيع خلافية مفتعلة، وأحياناً تافهة، مثل قضية “مزاعم بيغاسوس”، وملف خيانة زوجية تورط فيها أستاذ تعليم أساسي سابق اسمه هشام منصوري، علاوة على بعض الافتراءات الأخرى بشأن مزاعم التعذيب التي طالها الحفظ القضائي وثبت بالحجة والدليل بأنها كانت مضللة وكيدية وغير صحيحة.
ورغم أن هذا الفيلم الوثائقي حاول أن يظهر كيف يُعطي القادة والمسؤولون من كلا البلدين الأولوية للحفاظ على حسن العلاقات المشتركة على حساب التنازلات السياسية والأخلاقية، من منطلق: “ما الذي يجب التضحية به لتجنب القطيعة”، إلا أنه سقط (أي الفيلم) في فخ الانتقائية الفجة والتقييمات الكلاسيكية المرفوضة، مثل اتهام المغرب بأنه يئن تحت قبضة.....
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه
هذا المحتوى مقدم من هسبريس
