الاقتصاد الخليجي يعيد تعريف قوته.. و«الرقمي» يقلّص أثر الأزمات

لم تعد اقتصادات دول الخليج العربي تتأثر بالتقلبات الإقليمية بالحدة نفسها كما في السابق، إذ باتت أكثر توازناً، مع استمرار قطاعات رئيسية في النمو والعمل بوتيرة ثابتة.

ويرتبط هذا التغير بصعود الاقتصاد الرقمي كعامل رئيسي في تعزيز قوة الاقتصاد إلى جانب التنويع الاقتصادي، وفقاً لخبيرين تحدثا لـ«إرم بزنس».

يقول الخبير الاقتصادي جمال السعيدي إن الاقتصاد الرقمي في الإمارات لم يعزل الاقتصاد بشكل كامل عن تداعيات الأزمات الجيوسياسية، لكنه قلّل تأثيرها بشكل واضح، مشيراً إلى أن التحول الرقمي بات أحد أبرز عوامل المرونة الاقتصادية في الدولة.

اقتصاد أكثر مرونة

لفت جمال السعيدي إلى أن الإمارات شهدت خلال السنوات الماضية تحولاً هيكلياً في تركيبة اقتصادها، حيث أصبحت القطاعات غير النفطية تمثل أكثر من 70% من الناتج المحلي، في مؤشر واضح على تراجع الاعتماد المباشر على النفط.

وأضاف أن هذا التحول ترافق مع توسع سريع في الاقتصاد الرقمي، مع توجه لرفع مساهمته إلى نحو 20%، ما عزز قدرة الاقتصاد على الاستمرار حتى في فترات عدم الاستقرار.

التكنولوجيا والاقتصاد الرقمي.. الرابح الخفي في زمن الأزمات

صدمة مختلفة

في الأزمات السابقة، كانت الصدمة الاقتصادية تمتد بسرعة إلى مختلف القطاعات. لكن الصورة باتت تبدو أكثر تعقيداً اليوم، فالقطاعات الرقمية، مثل التجارة الإلكترونية والخدمات المالية الرقمية، تستمر بالعمل حتى في ظل التوترات، لكنها تبقى مرتبطة بشكل غير مباشر بحركة الاقتصاد العام.

وشرح السعيدي أن القطاعات الرقمية أقل تأثراً من حيث التأثير المباشر، لكنها ليست منفصلة عن الاقتصاد التقليدي، بل ترتبط به من خلال مستويات الإنفاق والاستثمار والسيولة. وهذا يعني أن الأزمات لم تختفِ، لكنها أصبحت أكثر انتقائية في تأثيرها.

قرار سبق الأزمات

من جهته، رأى خبير الذكاء الاصطناعي نادر غزالي أن ما يحدث اليوم في دول الخليج ليس نتيجة تكيّف مؤقت، بل نتيجة مسار استراتيجي بدأ قبل أعوام.

وقال: «إذا قارنا الوضع اليوم بما كان عليه سابقاً، هناك تغير جذري، فالدول، خصوصاً الإمارات، استثمرت مبكراً في التحول الرقمي، ما سمح للاقتصاد بالاستمرار حتى في أصعب الظروف».

وأشار إلى أن إطلاق استراتيجيات الـAI وتطوير الخدمات الحكومية الرقمية شكّل نقطة تحول، حيث أصبح بالإمكان تنفيذ معظم المعاملات عن بُعد، دون الحاجة إلى وجود فعلي.

اقتصاد يعمل من المنزل

هذا التحول انعكس بشكل مباشر على طريقة عمل الاقتصاد. فاليوم يمكن إنجاز معظم العمليات، من إصدار التراخيص إلى تنفيذ المدفوعات وإدارة الأعمال، بشكل رقمي بالكامل.

وقل غزالي: «لم يعد الوجود الفيزيائي ضرورياً كما في السابق، وهذا خفف من تأثير الأزمات على النشاط الاقتصادي».

سباق الذكاء الاصطناعي يدفع عمالقة التكنولوجيا لشراء «أرصدة الكربون»

سوق العمل تحت الضغط

رغم هذه المرونة، لا يزال سوق العمل يشهد تحولات عميقة، فالوظائف المرتبطة بالمهام المتكررة بدأت بالتراجع، مقابل صعود الطلب على المهارات الرقمية، بحسب السعيدي.

وأشار إلى أن التحول الرقمي خلق وظائف جديدة في مجالات مثل الذكاء الاصطناعي وتحليل البيانات، لكنه في المقابل أوجد فجوة مهارية واضحة.

وأكد غزالي على هذا الاتجاه، مشيراً إلى أن الطلب على المهارات الرقمية، مثل البرمجة وتحليل البيانات والفنتك، ازداد بشكل كبير في الفترة الأخيرة، ما يعني أن التحدي لم يعد في توفر الوظائف، بل في جاهزية القوى العاملة لمواكبة متطلبات المرحلة الجديدة.

قطاعات أكثر هشاشة

رغم صعود الاقتصاد الرقمي، لا تزال بعض القطاعات أكثر عرضة للصدمات، خصوصاً تلك المرتبطة بالدورة الاقتصادية.

وأشار السعيدي إلى أن قطاعات مثل البناء والعقارات والسياحة تبقى الأكثر تأثراً في حال أي تصعيد إقليمي، إلى جانب العمالة منخفضة ومتوسطة المهارة.

في المقابل، تحافظ القطاعات الرقمية والمالية على قدر أكبر من الاستقرار، ما يعكس تحوّلاً واضحاً في مركز الثقل داخل الاقتصاد.

إلى أين يتجه الخليج؟

السؤال الأهم يبقى: هل أصبح الخليج اقتصاداً أقل حساسية للأزمات؟

أجاب السعيدي: «يمكن القول إن الخليج يتجه نحو اقتصاد أقل حساسية للأزمات، لكن هذا الاتجاه يظل نسبياً، لأن الاستقرار لا يزال مرتبطاً بعوامل خارجية مثل الاقتصاد العالمي وأسعار الطاقة».

ولفت إلى أن هذا يعني أن ما نشهده اليوم هو مزيج من تحسن هيكلي داخلي، إلى جانب تأثيرات خارجية قد تتغير في أي لحظة.

من داعم إلى محرّك

أما غزالي فاختصر هذا التحول بالقول إن التحول الأهم لا يكمن فقط في قدرة الاقتصاد على التكيّف، بل في موقع الاقتصاد الرقمي داخل المنظومة الاقتصادية.

واضاف: «في السابق كان الاقتصاد الرقمي يدعم الاقتصاد التقليدي.. اليوم أصبح هو المحرك الأساسي له».

هذا التغيير يعكس مرحلة جديدة في اقتصادات الخليج، حيث لم يعد الاقتصاد الرقمي مجرد قطاع إضافي، بل أصبح عاملاً حاسماً في تحديد قدرة الاقتصاد على الصمود. وفي زمن الأزمات، هذه القدرة لم تعد خياراً، بل ضرورة.


هذا المحتوى مقدم من إرم بزنس

إقرأ على الموقع الرسمي


المزيد من إرم بزنس

منذ ساعة
منذ 35 دقيقة
منذ ساعتين
منذ ساعتين
منذ ساعتين
منذ ساعة
صحيفة الاقتصادية منذ ساعة
اقتصاد الشرق مع Bloomberg منذ 10 ساعات
اقتصاد الشرق مع Bloomberg منذ ساعتين
اقتصاد الشرق مع Bloomberg منذ ساعة
مجلة رواد الأعمال منذ 22 ساعة
قناة CNBC عربية منذ 6 ساعات
قناة CNBC عربية منذ 4 ساعات
فوربس الشرق الأوسط منذ 52 دقيقة