تتجه الأنظار إلى مسار المفاوضات المرتقبة بين الولايات المتحدة وإيران، في ظل مؤشرات سياسية وأمنية متسارعة تعكس حجم التعقيد الذي ينغرز بالمشهد الإقليمي، وبينما يرى محللون أن تشكيل الوفود وطبيعة التحركات الدبلوماسية يحملان دلالات على وجود رغبة في التوصل إلى تفاهمات، تبقى النتائج النهائية مرهونة بما سينتج عن الجلسات المقبلة، خاصة مع استمرار الملفات الشائكة وتداخل الجبهات، وعلى رأسها الجبهة اللبنانية والبرنامج النووي الإيراني، حيث تختلف التقديرات بشأن مدى قدرة هذه الهدنة على الصمود، وما إذا كانت بداية لاتفاق أوسع أم لا تزال مجرد هدنة تكتيكية لإعادة ترتيب الأوراق، واستكمال الحرب.
المؤشرات الحالية تعكس وجود اتجاه نحو التفاوض
قال الدكتور حسن سلامة، أستاذ العلوم السياسية، إن العالم يترقب انعقاد المفاوضات بين الولايات المتحدة وإيران، في ظل ما وصفه بتغير مواعيد انعقادها من الجمعة إلى الخميس ثم السبت، وهو ما يعكس حالة من الحراك والتجهيز السياسي بين الطرفين.
وأوضح سلامة خلال مداخلة علة شاشة قناة«إكسترا نيوز»، أن طبيعة تشكيل الوفود المشاركة تعكس في ظاهرة رغبة في الوصول إلى قرارات أو تفاهمات خلال جولات التفاوض المرتقبة.
وأضاف سلامة أن الوفد الأمريكي يتمتع بتمثيل رفيع المستوى يضم شخصيات بارزة، وهو ما يعكس أن الإدارة الأمريكية تتعامل مع الملف باعتباره ملف مهم على أعلى مستوى من القرار السياسي.
ولفت أستاذ العلوم السياسية، إلى أن الوفد الإيراني أيضا يحمل طابعا سياسيا وأمنيا، ويضم شخصيات ذات خلفيات مرتبطة بالحرس الثوري، ما يعكس جدية في التعامل مع مسار التفاوض.
وأكد أن هذا الشكل من التمثيل من الجانبين يعطي انطباعا أوليا بأن هناك رغبة في الوصول إلى اتفاق أو تفاهم، حتى وإن كانت طبيعة الاتفاقات المحتملة لا تزال غير واضحة حتى الآن، موكدا أن المؤشرات الحالية تعكس وجود اتجاه نحو التفاوض، لكن النتائج النهائية ستتوقف على سير الجلسات المقبلة.
هدنة تكتيكية تهدف إلى إعادة ترتيب الأوراق
فى المقابل قالت مونيكا وليم، الباحثة في العلوم السياسية، إن الهدنة الحالية بين الولايات المتحدة وإيران لا تعكس تسوية نهائية، لكنها تمثل هدنة تكتيكية تهدف إلى إعادة ترتيب الأوراق، في ظل استمرار عدد من الملفات الرئيسية دون حسم، وفي مقدمتها البرنامج النووي الإيراني والصواريخ الباليستية.
وأوضحت خلال مداخلة على «إكسترا نيوز»، أن الإدارة الأمريكية تسعى عبر هذه الهدنة إلى خفض تكلفة التصعيد العسكري والتعامل مع تراجع صورة الهيمنة الدولية، خاصة مع الخسائر الاقتصادية الكبيرة للحرب، والتي تراوحت بين 22 و31 مليار دولار خلال خمسة أسابيع فقط.
مونيكا وليم وصفت الموقف الإيراني بأنه براجماتي تكتيكي، حيث تعمل طهران على امتصاص الضغوط الدولية وإعادة التموضع بعد خسائر بشرية ومادية، إلى جانب مواجهة ضغوط اقتصادية حادة وارتفاع معدلات التضخم.
وفيما يخص الجبهة اللبنانية، أشارت إلى أن إسرائيل تتحرك في مسار مواز شبه منفصل عن التفاهمات الأمريكية الإيرانية، لافتة إلى تنفيذ أكثر من 100 غارة خلال فترة قصيرة في محاولة لفرض قواعد اشتباك جديدة.
وأضافت أن هذا التصعيد يحمل رسائل استراتيجية مفادها أن أي اتفاق محتمل بين واشنطن وطهران لن يقيد تحركاتها العسكرية ضد حزب الله، مؤكدة أن الجبهة اللبنانية أصبحت نقطة الاختبار الأكثر حساسية لمدى صمود الهدنة وإمكانية تحولها إلى اتفاق طويل الأمد. كما أشارت إلى وجود تحركات وتنسيق مرتقب بين الحكومة اللبنانية والجانب الإسرائيلي برعاية أمريكية، ضمن مساع لبنانية لاستعادة القرار السيادي وفصل مصير البلاد عن الصراع المباشر بين الولايات المتحدة وإيران.
هدنة هشة
من جهة أخري أكد الدكتور إسماعيل تركي، أستاذ العلوم السياسية، أن الهدنة المؤقتة التي سمحت بها الولايات المتحدة تظل هشة، وتواجه تحديات كبيرة، أبرزها غياب الثقة بين الأطراف المتحاربة، فضلًا عن عجز أي طرف عن تحقيق حسم عسكري شامل.
وخلال مداخلة على قناة «إكسترا نيوز»، أوضح أن الولايات المتحدة رغم ما ألحقته من أضرار عسكرية بإيران لم تتمكن من فرض حسم نهائي، في الوقت الذي تسعى في إيران إلى توظيف مختلف أوراقها لإثبات قدرتها على الصمود والاستمرار في الرد.
وأشار إلى وجود ما وصفه بإدراك خاطئ لدى الأطراف المتصارعة كافة، بدءا من إسرائيل التي لم تنجح في تنفيذ سيناريو إسقاط النظام الإيراني، الأمر الذي دفعها إلى تصعيد غير مسبوق في لبنان، وصل إلى حد اتهامات بارتكاب جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية نتيجة استهداف مناطق مدنية.
ولفت إلى أن هذا التصعيد أسهم بشكل كبير في تعقيد المشهد الإقليمي، موضحا أن إيران بدورها اتخذت خطوات، من بينها التلويح بورقة مضيق هرمز، إلى جانب الربط بين مسارات الصراع في لبنان وغيرها.
واختتم مؤكدًا أن اتساع دائرة المواجهة انعكس سلبا على صورة جميع الأطراف، وساهم في زيادة حدة التوتر، محذرا من أن استمرار هذا النهج قد يؤثر على طبيعة العلاقات الإقليمية مستقبلا، في ظل التصعيد المتبادل واتساع رقعة الصراع.
هذا المحتوى مقدم من بوابة دار الهلال
