العراق في دوامة العاصفة.. بين النزاع المسلح والعدوان

أ.د عبد الستار الجميلي

المقدمة

يواجه العراق تحديًا إستراتيجياً مركباً في ظل تصاعد النزاع المسلح الأمريكي الصهيوني- الإيراني، مع إمتدادات مرتبطة بالعدوان الإيراني على بعض الدول العربية، ودور تركيا الإحتلالي والسياسي في شمال العراق ومناطقه الأخرى. وتتمثّل الإشكالية الرئيسة في مواجهة هذا التحدي في عجز الدولة عن إحتكار القرار الأمني بسبب وجود ميليشيات مسلحة ذات إرتباطات خارجية، والمحاصصة الطائفية والعرقية التي ولّدت إنقساماً سياسياً وإجتماعيا حول القرارات السيادية. هذه الخلفية أفرزت ثلاثة أبعاد لإشكالية الوضع العراقي: تحول العراق إلى دولة فاشلة وهشة بسبب الضعف في إحتكار العنف المشروع وتعدد مراكز القوة والقرار، والصراع بالوكالة عبر إستخدام ميليشيات محلية لتحقيق أهداف قوى إقليمية أو دولية، وصراع توازن بين القوى الإقليمية والدولية الفاعلة في الساحة العراقية ومحاولة كل طرف منع الطرف الآخر من الهيمنة عبر أدوات مباشرة وغير مباشرة، ما حوّل العراق إلى نموذج تقليدي للتداخل بين العوامل الداخلية والخارجية في إشكالية صنع القرار السياسي.

أولًا- السياق الإقليمي والدولي للنزاع

بدأ النزاع المسلح بين الولايات المتحدة الأمريكية والكيان الصهيوني من جانب والنظام الإيراني من جانب آخر، على خلفية فشل المفاوضات بين الجانبين حول ثلاثة محاور أساسية معلنة: تصفية برنامجي المشروع النووي والصواريخ الباليستية وإيقاف الدعم العسكري والسياسي للميليشيات التابعة للنظام الإيراني في لبنان والعراق واليمن، التي منحته ميزة إستراتيجية لممارسة مشاريع التدخل الإقليمية في إطار مشروع تصدير ولاية الفقيه الطائفية في الوطن العربي وتحت غطاء قضية فلسطين العربية، الجاهزة لأن يتغطى بها من يشاء بحكم أنّ المواطن العربي مأخوذ بها عاطفياً ووجدانياً دون تساؤلات مشروعة عن طبيعة هذه الأطراف وأهدافها والنتائج والأثمان التي دفعتها القضية الفلسطينية، التي تجري الآن تصفيتها وتدويلها على خلفية الفرصة الثمينة التي وفرها النظام الإيراني وميليشياته الفلسطينية خصوصا، للكيان الصهيوني لإحتلال غزة والضفة الغربية واراض واسعة من لبنان وسورية وتهديد أراضي دول عربية أخرى بالإحتلال والتوسع.. وهناك أيضاً محور مفاوضات غير معلن من جانب الولايات المتحدة والكيان الصهيوني يتمثّل بتغيير النظام الإيراني الحالي. وبحكم أنّ هذا النظام يواجه أزمات إقتصادية خانقة وتآكل واضح في أغطية شرعيته الداخلية والخارجية، وإحتجاجات دورية تعكس الفجوة المتزايدة بين النظام والشعوب، وإنخراط غير شرعي مكلف في الأزمات الإقليمية، فإنّ مؤشرات تغيير داخلية للنظام أصبحت متوقعة أكثر من ذي قبل وإستبداله بنظام يُغلب العلاقات التعاونية على العلاقات الصراعية التي أثقلت كاهل الشعوب في إيران بمعاناة وعزلة لم تشهدها من قبل. لذلك وأمام مؤشرات التغيير هذه، إتجهت الإستراتيجية الأمريكية والصهيونية إلى إحتواء هذا التغيير في إطار هندسته لتتلاءم مع مصالحهما، بدلاً من تركه لمعادلات وبرامج المعارضة الإيرانية التي ربما لن تكون متطابقة مع هذه المصالح.

وأمام توقعات التغيير من الداخل أو من الخارج، إتّخذ النظام الإيراني إستراتيجية المماطلة في المفاوضات وإطالة أمدها، والتهديد بتفعيل دور الفصائل المرتبطة به، وتوسيع دائرة النزاع إقليمياً ودولياً، وخطابات التخوين والعمالة لكل من يقف أمام مشروعه الطائفي الآيل للسقوط.. وما إن بدأ النزاع المسلح المفاجئ الذي ضرب رأس النظام ومعظم قيادات الصف الأول والثاني وحتى الثالث السياسية والعسكرية والأمنية، حتى بدأ هذا النظام إستراتيجية إنتحار معلنة بالضرب بكل الإتجاهات والتوسيع العبثي اليائس لدائرة النزاع، خصوصا ضد الدول العربية في الخليج العربي والعراق والأردن، التي ثَبت أنّه كان يُيبت لها هذا العدوان من منطلق طائفي وعنصري، فكانت حصتها من ضرباته العشوائية وفوضى قواعد الإشتباك أكثر مما طالت الأهداف الأمريكية والصهيونية، التي كانت خسائرها طفيفة بالمقارنة مع ما دفعه هذا النظام من خسائر بشرية ومادية وسياسية ودبلوماسية.

ثانياً- الوضع الإستراتيجي العام للعراق

كانت حصة العراق ثقيلة من هذا النزاع على المستويات كافة، بحكم موقعه الجغرافي القريب من أطراف النزاع، فهو يُشكّل ساحة جيو سياسية حيوية بحدوده الطويلة مع إيران وتركيا، وقربه من الكيان الصهيوني، والولايات المتحدة عبر قواعدها العسكرية المنتشرة في الوطن العربي ومجاله الإقليمي، إلى جانب أنّه يضم تعددية طائفية وعرقية غير رشيدة، ما جعل أي تصعيد خارجي ينعكس داخليًا بسرعة قياسية على أطراف هذه التعددية كلّ حسب رؤيته ومصالحه وقربه من هذا الطرف أو ذاك. فمنذ الإحتلال الأمريكي عام 2003 لم يتمكن العراق من بناء نموذج نظام سياسي متماسك، بل تشكّل نظام سياسي على أساس محاصصة طائفية وعرقية لا تنتمي للعصر وبُنى الدول الحديثة، وإفراز بيئة سياسية وأمنية جاذبة للأزمات والإرهاب، ما أفضى إلى نشوء نموذج نظام "هجين"، يجمع بين مؤسسات رسمية وولاءات فرعية على حساب الهوية الوطنية الجامعة، والتداخل بين السلطتين السياسية والعسكرية، وعدم القدرة على إدارة الأزمات المركبة. ما عطّل أية قرارات سيادية ذات مصداقية وجعل العراق عرضة للإختراق والتموضع الخارجي وتحوله إلى ساحة صراع غير مباشر عبر أدوات متعددة أبرزها الفصائل المسلحة.

واليوم وفي ظل تصاعد النزاع المسلح الأمريكي الصهيوني- الإيراني وتداخل ساحات الصراع، يقف العراق اليوم في موقع بالغ الحساسية، حيث تتقاطع على أرضه مشاريع ونفوذ ثلاث قوى رئيسة: النظام الإيراني، والنظام التركي، والكيان الصهيوني، في سياق صراع أوسع مع الولايات المتحدة، ما وضع النظام السياسي أمام إختبار وجودي يتعلق بقدرته على الحفاظ على سيادة العراق ومنع إنزلاقه إلى ساحة حرب مفتوحة وصراع بالوكالة، مع بوادر هذا الإنزلاق في الهجمات المتبادلة بين الولايات المتحدة والكيان الصهيوني من جانب والنظام الإيراني وميليشياته من جانب آخر، التي طالت تقريبا معظم أراضي العراق بما فيها الأهداف المدنية. ما يطرح تساؤلات جوهرية حول مستقبل النظام السياسي في ظلّ تداعيات خطيرة متعدّدة الجوانب لهذا النزاع.

ثالثا- تداعيات النزاع على العراق

هذا الخلل الإستراتيجي وضع النظام السياسي الحالي، أمام إختبار وجودي يتعلق بمدى القدرة على الحفاظ على سيادة العراق ومنع إنزلاقه إلى ساحة حرب مفتوحة، في مواجهة تصاعد حدّة النزاع المسلح الذي حوّل العراق إلى ساحة صراع غير مباشر، تُستخدم فيها أدوات متعددة أبرزها الفصائل المسلحة، ما أفرز تداعيات خطيرة على العراق، دولة وشعباً، من أهمها:

1. التداعيات الأمنية: كان من أبرز تداعيات النزاع المسلح من الناحية الأمنية، هو ضعف قدرة النظام على ضبط الأمن الذي تجلّى في تحوّل العراق إلى ساحة صراع بالوكالة بوجود فصائل مسلحة مرتبطة بالنظام الإيراني ما جعل العراق خط تماس ودخول النزاع بشكل مباشر عبر البدء بسلسلة هجمات ضد أهداف عراقية وعربية وأجنبية بما فيها أمريكية داخل العراق وخارجه من قبل فصائل مسلحة مرتبطة بالنظام الإيراني، وردود الفعل من قبل الولايات المتحدة والكيان الصهيوني. وإستخدام الإستقطاب الطائفي والعرقي أو المناطقي من قبل القوى الإقليمية والدولية، إلى جانب محاولات إعادة إنتاج مآسي الإنفجارات والإغتيالات السياسية والتصفيات المتبادلة، وبالتالي تزايد خطر تحول العراق إلى ساحة حرب مفتوحة وصراع بالوكالة. وقد وضعت هذه الهجمات الحكومة العراقية في موقف حرج فهي من جهة لا تستطيع ضبط هذه الفصائل رغم كل الإدعاءات خصوصاً وأن أغلبها مشاركة في الحكومة ومجلس النواب، ومن جهة أخرى تتحمل هذه الحكومة تبعات الردود الأمريكية أو الصهيونية شبه اليومية، إلى جانب تخريب علاقاتها بالدول العربية في الخليج العربي وخارجه بما يمس هوية العراق العربية والأمن القومي العربي الذي يُعدُّ الأمن الوطني العراقي جزءاً لا يتجزأ منه. وفي مقابل ذلك هناك إحتمالات متزايدة في إنطلاق الإحتجاجات الشعبية من جديد كنتيجة طبيعية لتدهور الأوضاع الإقتصادية والأمنية، ونتيجة أيضاً لمحاولات فرض خيار الإنحياز إلى جانب النظام الإيراني على حساب المصالح الوطنية والعربية العليا. والنتيجة: فقدان السيطرة على القرار الأمني الداخلي وتحول العراق إلى ساحة تصفية حسابات، وإنهيار التوازن الأمني الداخلي بتصاعد التوتر بين القوات الحكومية والفصائل المسلحة، وتزايد خطر الصدام الداخلي بين القوى السياسية المنقسمة أصلاً، وبالتالي إحتمال تفكك السيطرة على بعض المحافظات.

2. التداعيات الإقتصادية: إنّ من أبرز التداعيات الإقتصادية هي المحاولات الجارية لإستهداف البنية التحتية الحيوية لمنشآت النفط والغاز والموانئ خصوصاً في البصرة، والمطارات والقواعد العسكرية، حيث أدّت الضربات المتبادلة، سواء من قبل أطراف النزاع أو الفصائل المسلحة، إلى شبه شلل إقتصادي وتراجع صادرات النفط وهو المصدر الأساسي للدخل في العراق، وتضرر قطاع الاستثمارات الأجنبية، وإرتفاع أسعار التأمين والشحن، وإحتمال فرض عقوبات غير مباشرة بسبب العلاقة مع النظام الإيراني، وبالتالي الإتجاه نحو المشهد الأسوأ بحدوث أزمة مالية وتراجع متسارع في قيمة العملة تصاحبها إحتجاجات إجتماعية، وهي عوامل ستضغط على المالية العامة وميزانية الدولة بسبب تراجع الإيرادات وزيادة الإنفاق العسكري والأمني، ما سيؤثر على غالبية الشعب العراقي، خصوصاً طبقة الموظفين والمتقاعدين المتوسطة، وذوي الدخول المنخفضة المشمولين بالرعاية الاجتماعية وعمال الأجور اليومية في المدن والأرياف، إضافة إلى ذلك التبرع المتعسف بالمساعدات للنظام الإيراني المٌستقطعة من لقمة عيش المواطنين الذين بالكاد يحصلون عليها وذلك إرضاء للأوهام الطائفية دون حساب لخطورة النتائج.

3. التداعيات الإجتماعية: إنّ من أخطر تداعيات النزاع المسلح الحالي على المجتمع العراقي بعد أن أصبحت أراضيه ميداناً لتبادل الهجمات المسلحة، هي إعادة إنتاج أزمات عاشها المواطنون في مراحل سابقة والمتمثلة بمعاناة النزوح الداخلي واللجوء والهجرة إلى الخارج، أو بدء فصل جديد من الصراعات الطائفية والعرقية العبثية القابلة للإشتعال مع أي توتر جديد، وذلك بسب تزايد الشعور بعدم الأمان وغياب اليقين وإنعدام الثقة بالعملية السياسية وحكوماتها المتعاقبة، التي لم تخرج عن قواعد المحاصصة والتبعية للمشاريع الخارجية، وعدم القدرة على الوفاء بواجب الحفاظ على أمن وإستقرار الوطن والمواطنين.

4.التداعيات السياسية والدبلوماسية: مع إندلاع النزاع بدأت وتيرة الإنقسامات السياسية والإجتماعية داخل السلطات التنفيذية والتشريعية، بين أطراف مؤيدة للنظام الإيراني وتدفع بإتجاه التضحية بالشعب العراقي عبر توريط العراق بمغامرة الإنحياز إلى جانب النظام الإيراني رغم علمها بأنّ نتيجة النزاع محسومة سلفاً نظراً للفجوة الواسعة جدّاً في موازين القوى.....

لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه


هذا المحتوى مقدم من وكالة الحدث العراقية

إقرأ على الموقع الرسمي


المزيد من وكالة الحدث العراقية

منذ ساعة
منذ ساعة
منذ ساعة
منذ ساعة
منذ 3 ساعات
منذ ساعتين
قناة السومرية منذ 16 ساعة
قناة السومرية منذ 11 ساعة
وكالة الحدث العراقية منذ ساعة
قناة الفلوجة منذ 4 ساعات
موقع رووداو منذ 10 ساعات
قناة السومرية منذ 18 ساعة
قناة اي نيوز الفضائية منذ 17 ساعة
قناة السومرية منذ 10 ساعات