ملخص تتقدم الصين بسرعة في سباق الابتكار بعد أن بنت منظومة متماسكة تربط بين البحث العلمي الأساسي، وتدريب الكفاءات، والتصنيع، وتحويل المعرفة إلى منتجات وصناعات تنافسية. وفي المقابل، يهدد تراجع تمويل البحث العلمي في الولايات المتحدة، وإضعاف الجامعات، وصعوبة الاحتفاظ بالمواهب، وغياب الدعم طويل الأجل للتقنيات الصعبة، مكانتها في صناعات المستقبل.
لطالما نُظر إلى الصين باستخفاف بوصفها مجرد مصنع العالم، بلداً يتفوق في تصنيع تقنيات ابتُكرت في أماكن أخرى، لكنه عاجز عن ابتكار أي شيء جديد جذرياً من تلقاء نفسه. لكن العقد الماضي أثبت أنها قادرة على أن تكون قوة ابتكار كبرى. فالصين تتقدم اليوم كثيراً على الولايات المتحدة في تصنيع ونشر واعتماد التقنيات المتقدمة، مثل المركبات الكهربائية، والبطاريات، ومعدات الاتصالات اللاسلكية، والروبوتات الشبيهة بالبشر، والجيل المقبل من الطاقة النووية. كما أن قطاع الأدوية الصيني سريع النمو بات قريباً من اللحاق بنظيره الأميركي في وتيرة طرح الأدوية الجديدة في الأسواق. وأصبح لدى الجيش الصيني قدرات تكنولوجية تفتقر إليها الولايات المتحدة، بما في ذلك ما يسميه البنتاغون "ترسانة الصواريخ فرط الصوتية الرائدة عالمياً".
ويعود نجاح الصين إلى ضخها الموارد في جميع حلقات منظومة الابتكار، من البحث العلمي الأساسي إلى تعليم العلماء والمهندسين، وصولاً إلى تحويل المنتجات الجديدة إلى سلع قابلة للتسويق. وفي عام 2015، أطلقت بكين خطة طموحة باسم "صنع في الصين 2025" لتسريع سعيها إلى أن تصبح قوة تكنولوجية عالمية. ومن خلال تقديم دعم حكومي ضخم للشركات العاملة في قطاعات رئيسة، مثل تكنولوجيا المعلومات، والروبوتات، والفضاء، سعت القيادة الصينية إلى تقليل المخاطر الاقتصادية والأمنية القومية الناجمة عن اعتماد الصين على الشركات الأجنبية، وجعل شركاتها التكنولوجية أكثر قدرة على المنافسة.
وبعد مرور عشر سنوات على إطلاق "صنع في الصين 2025"، حققت الصين إلى حد كبير أهداف هذه الخطة. فابتكاراتها في مجال المركبات الكهربائية، على سبيل المثال، كانت لافتة إلى درجة أن الرئيس التنفيذي لشركة "فورد"، جيم فارلي، وصف صناعة السيارات الكهربائية الصينية العام الماضي بأنها "أكثر ما أدهشني على الإطلاق"، لما تتمتع به من تفوق كبير في التكنولوجيا داخل المركبات، والكلفة، والجودة. وحتى في القطاعات التي لم تنجح الصين في الهيمنة عليها، فقد حققت تقدماً كبيراً. ففي أشباه الموصلات، لم تتمكن من تصنيع الشرائح المتطورة اللازمة لتدريب أكثر نماذج الذكاء الاصطناعي تقدماً، لكنها بنت أكبر طاقة إنتاجية في العالم للشرائح التقليدية المستخدمة في السيارات والأجهزة الإلكترونية العادية. وفي تقريرها السنوي لعام 2025 إلى الكونغرس، خلصت لجنة المراجعة الاقتصادية والأمنية الأميركية-الصينية، التي تدرس التداعيات الأمنية القومية للعلاقة الاقتصادية بين البلدين، إلى أن "الصين تمتلك الآن قاعدة صناعية موجَّهة من الدولة ومفرطة القوة، لا سابقة تاريخية لها". والأخطر من ذلك أن اللجنة قدرت أن "الصين أصبحت الآن في موقع يمكّنها من تطوير التقنيات الجديدة وتوسيع نطاقها، وتحقيق أفضلية السبق في كثير من صناعات المستقبل".
أما الولايات المتحدة، فقد فقدت تركيزها. فبعد أكثر من 80 عاماً بوصفها قوة الابتكار الأولى بلا منازع في العالم، أخفقت واشنطن في تقدير حجم التهديد الذي يمثله تزايد هيمنة الصين على سلسلة الابتكار، من البحث الأساسي إلى التصنيع عالي التقنية. والأسوأ أن الإجراءات الأخيرة التي اتخذها الساسة الأميركيون تزيد المشكلة تفاقماً. فبدلاً من الارتقاء إلى مستوى هذا التحدي، تعمل الإدارة الحالية على تقويض عناصر القوة الأميركية في الابتكار، من دون أن تعالج مواطن الضعف.
وتحتاج الولايات المتحدة إلى أن تعود فترى في العلم والابتكار ركناً أساسياً من أركان قوتها. وهذا يتطلب الاستثمار في العلوم الأساسية، التي توسع المعرفة الجوهرية وتمثل مصدر التقنيات الثورية حقاً. ويعني ذلك أيضاً استقطاب أفضل المواهب العالمية في العلوم والهندسة، وتأهيلها، والحفاظ عليها. ويتطلب أيضاً استكشاف سبل جديدة لتحويل الأبحاث المتقدمة إلى منتجات قابلة للتسويق، وتوسيع إنتاجها بسرعة أكبر. تمضي الصين قدماً، وإذا لم تصحح الولايات المتحدة مسارها، فإنها تخاطر بالتفريط بالمستقبل لمصلحة أكبر خصومها الجيوسياسيين.
العودة إلى الأساسيات كان الالتزام بالعلوم الأساسية في صميم القيادة التكنولوجية الأميركية منذ منتصف القرن العشرين. فأفضل الابتكارات تظهر عادة حيث يوجد أفضل علم. وعلى رغم أن البشر ابتكروا تقنيات جديدة على امتداد التاريخ، فإن التكنولوجيا لم تبدأ في دفع نمو اقتصادي مستدام إلا مع الثورة الصناعية. وكما أوضح المؤرخ جويل موكير، فإن العامل الحاسم وراء هذا النمو كان التقدم العلمي في القرنين السابع عشر والثامن عشر، وثقافة العلم في الغرب، التي نشرت معرفة المبادئ المفسرة للظواهر الطبيعية. وقبل ذلك، كما كتب موكير، كان العالم "عالم هندسة بلا ميكانيكا، وصناعة حديد بلا تعدين، وزراعة بلا علم تربة". فالمجتمع الذي يفهم لماذا ينجح شيء ما، يستطيع بسهولة أكبر أن يحسن كيفية عمله، وهي عملية يبني فيها كل تقدم على ما سبقه، بما يسرع التطور التكنولوجي.
وفي الولايات المتحدة، تعد الجامعات أكبر الجهات التي تجري أبحاث العلوم الأساسية، فيما تعد الحكومة الفيدرالية أكبر ممول لها. وقبل الحرب العالمية الثانية، كانت الجامعات تجري قدراً محدوداً نسبياً من الأبحاث العلمية، إذ كانت تركز أساساً على مهمتها التعليمية. لكن الحرب فرضت تحولاً جذرياً. فقد جنّد فانيفار بوش، المستشار العلمي للرئيس فرانكلين روزفلت، علماء أكاديميين لتطوير تقنيات جديدة، من بينها تقنيات كانت حاسمة في تحقيق النصر، مثل الرادار الميكروي، والقنبلة الذرية، والبنسلين. وبعد انتهاء الحرب، حث بوش قادة الولايات المتحدة على مواصلة دعم البحث العلمي في الجامعات. وكتب قائلاً: "إن المنتجات والعمليات الجديدة لا تولد مكتملة النمو، بل تقوم على مبادئ ومفاهيم جديدة، وهذه بدورها تنبثق من البحث العلمي الأساسي". وكان يرى أن الجامعات هي المكان الأنسب لتطوير هذه المبادئ والمفاهيم الجديدة، لأنها أقل تعرضاً لضغوط النتائج السريعة والملموسة من المختبرات الصناعية، كما أنها البيئة التي يجري فيها إعداد العلماء الشباب. وفي السنوات الأولى من الحرب الباردة، أنشأ المسؤولون الأميركيون مؤسسات مثل "المؤسسة الوطنية للعلوم" لتمويل هذا النوع من الأبحاث الاستكشافية.
وقد أفضت هذه الشراكة بين الحكومة والجامعات إلى إنشاء أكبر وأكثر منظومة متنوعة من الجامعات البحثية في العالم. ولم تكتف الولايات المتحدة بقيادة البحث الأساسي، بل نجحت أيضاً في تحويل الأفكار الجديدة إلى تقنيات تأسيسية، مثل الإنترنت والهواتف الذكية. كما أن التمويل الذي وفرته "المعاهد الوطنية للصحة" للأبحاث الطبية الحيوية في الجامعات وكليات الطب والمراكز الطبية الأكاديمية الأميركية أسهم في تطوير ما يقرب من كل دواء وافقت عليه "إدارة الغذاء والدواء" بين عامي 2010 و2019. وبعد أن أتاح "قانون بايه-دول" لعام 1980 للجامعات امتلاك الاكتشافات الناتجة من أبحاث ممولة فيدرالياً وترخيصها وتقاسم عوائدها مع الباحثين المخترعين، تحولت الجامعات إلى بؤر ريادة أعمال، وخرجت منها شركات عالمية مثل "غوغل" و"موديرنا". وأظهرت دراسات أجريت في العقد الثاني من هذا القرن على جامعة ستانفورد ومعهد ماساتشوستس للتكنولوجيا أن الإيرادات التراكمية للشركات التي أسسها خريجوهما من رواد الأعمال كانت ستضع كل مؤسسة منهما بين أكبر عشرة اقتصادات في العالم من حيث الناتج المحلي الإجمالي.
الحكومة الأميركية تحول الجامعات من شركاء إلى خصوم
ولا تزال الولايات المتحدة تستثمر في العلوم الأساسية أكثر من أي بلد آخر. ففي عام 2023، وبحسب بيانات "منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية"، أنفقت 78 مليار دولار على الأبحاث الأساسية التي أُجريت في الجامعات والمختبرات الحكومية. ولهذا السبب حقق العلماء في الولايات المتحدة عدداً كبيراً من الاكتشافات التأسيسية، من تقنية "كريسبر" لتحرير الجينات، التي فتحت الباب أمام علاجات محتملة للأمراض الوراثية، إلى الشبكات العصبية الاصطناعية التي تقوم عليها نماذج الذكاء الاصطناعي التوليدي.
لكن مزايا الولايات المتحدة في البحث الأساسي باتت مهددة. ففي عهد الرئيس دونالد ترمب، أخذت الحكومة تحول الجامعات من شركاء إلى خصوم. وبعد فترة وجيزة من تنصيبه لولاية ثانية في يناير (كانون الثاني) 2025، أضعفت الإدارة وكالات تمويل الأبحاث، وجمدت أو ألغت منحاً بحثية في الجامعات. وحتى بعد أن أُجبرت على إعادة آلاف من هذه المنح، أظهر تحليل نشرته مجلة "نيتشر" في يناير 2026 أنها عطلت مشاريع بقيمة 1.4 مليار دولار. وتحاول الإدارة أيضاً تفكيك النظام الذي تُمنح بموجبه الأموال البحثية على أساس الجدارة، وغالباً بعد مراجعة الأقران. وبدلاً من ذلك، تريد إقامة نظام قائم على المحاباة السياسية، يمنح الأفضلية للجامعات التي تنصاع لمطالبها الأيديولوجية. وأصبحت موضوعات بحثية مهمة لا تروق للإدارة الأميركية لأسباب سياسية، مثل علم المناخ وتطوير لقاحات الحمض النووي الريبي المرسال (mRNA)، شبه محظورة عملياً على الباحثين الساعين إلى دعم فيدرالي.
وفي المقابل، أدرك قادة الصين أن الضعف النسبي لبلادهم في العلوم الأساسية يشكل عقبة أمام الابتكار المحلي، فسعوا إلى معالجته. وقد زادت بكين استثماراتها في الأبحاث الأساسية في الجامعات والمختبرات الحكومية: فبين عامي 2013 و2023، رفعت تمويلها لهذه الأبحاث بنحو أربعة أضعاف ليصل إلى 57 مليار دولار، بعد احتساب تعادل القوة الشرائية. ولا تنوي الصين التوقف الآن. فقد شدد الرئيس شي جينبينغ مراراً على أن تعزيز العلوم الأساسية هو مفتاح هدفين من أهم أهداف الصين: الاكتفاء الذاتي التكنولوجي، والقدرة التنافسية الدولية. وتضمنت مسودة موازنة الصين لعام 2026، التي صدرت في أوائل مارس (آذار)، زيادة بنسبة 16.3 في المئة في إنفاق الحكومة المركزية على الأبحاث الأساسية.
وباتت الجامعات الصينية تتصدر اليوم تصنيفات جودة الأبحاث التي كانت الجامعات الأميركية تهيمن عليها سابقاً. ففي عام 2016، كان خمس من أكثر عشر جامعات إنتاجاً بحسب "مؤشر نيتشر" أميركية، في حين كانت جامعة واحدة فقط صينية. أما في تصنيف 2025، فكانت تسع من أول عشر جامعات صينية. وأصبحت الصين الآن على مشارف تصدر تطوير التقنيات الناشئة. ففي عام 2025، ووفق "المعهد الأسترالي للسياسات الاستراتيجية"، تصدرت الصين العالم في الأبحاث عالية الجودة في 66 من أصل 74 تقنية استراتيجية مهمة، بما في ذلك تلك المعرضة لخطر الاحتكار من دولة واحدة.
الصين تملك المواهب إحدى نقاط قوة منظومة الابتكار الأميركية أنها تجتذب أفضل العلماء والمهندسين من مختلف أنحاء العالم. فعلى مدى السنوات العشرين الماضية، كان 38 في المئة من درجات الدكتوراه في العلوم والهندسة التي منحتها الجامعات الأميركية من نصيب طلاب دوليين في المتوسط. ويحصل الطلاب الدوليون على غالبية الدكتوراه في علوم الحاسوب والمعلومات، والهندسة، والرياضيات. وهم عنصر أساسي في الاكتشافات والاختراعات التي تخرج من المختبرات الجامعية، وكثير منهم يواصلون تقديم إسهامات بارزة في العلم وريادة الأعمال في الولايات المتحدة. كما أن 40 في المئة من الحاصلين على جائزة نوبل في الكيمياء والطب والفيزياء في الولايات المتحدة خلال الأعوام الخمسة والعشرين الماضية كانوا مهاجرين. والمهاجرون أسسوا أكثر من نصف الشركات الناشئة الأميركية التي تبلغ قيمة كل منها مليار دولار أو أكثر.
لكن السياسات الفيدرالية تثني الجامعات عن تخريج الجيل المقبل من العلماء الأميركيين البارزين، سواء كانوا مولودين في الولايات المتحدة أو خارجها. فتجميد المنح وتقليصها يجبران الجامعات على خفض أعداد طلاب الدراسات العليا والباحثين ما بعد الدكتوراه الذين تمولهم. فقد أعلنت "هارفرد"، على سبيل المثال، أنها ستخفض إلى النصف عدد المقبولين في برامج الدكتوراه العلمية في العام الأكاديمي المقبل. كما أن التشدد في منح تأشيرات الطلاب، وحظر السفر، والمبالغة في إنفاذ قوانين الهجرة، كلها عوامل تثني الطلاب الدوليين عن الدراسة في الولايات المتحدة.
وقد دفع عدم اليقين بشأن التمويل، إلى جانب الهجمات السياسية على الجامعات، حتى الباحثين الراسخين إلى البحث عن وظائف في أماكن أخرى. وتفيد جامعات أوروبية بأنها تشهد اهتماماً غير مسبوق من أكاديميين أميركيين بالمناصب الشاغرة لديها. كما أن نزيف العقول يتجه أيضاً نحو الصين، إذ عاد عدد من كبار العلماء الأميركيين من أصول صينية للعمل هناك. ووفقاً لشبكة "سي أن أن"، انضم ما لا يقل عن 85 باحثاً أميركياً إلى مؤسسات صينية منذ بداية عام 2024. وفي مجال الذكاء الاصطناعي، وهو ميدان تنافس محتدم مع الصين، يتدرب عدد متزايد من كبار الباحثين في الصين ويختارون العمل فيها. وقد خلص تحليل أجرته "ذي إيكونوميست" إلى أنه في عام 2019 لم يبق في الصين سوى ثلث الباحثين المشاركين في المؤتمر العالمي الأبرز للذكاء الاصطناعي ممّن أنجزوا دراساتهم الجامعية الأولى هناك. أما في عام 2025، فقد ارتفعت النسبة إلى أكثر من الثلثين. وخلال الفترة نفسها، تضاعفت أكثر من مرتين نسبة الباحثين الصينيين الذين حصلوا على درجات عليا في الخارج ثم عادوا إلى الصين.
والواقع أن الصين تجاوزت الولايات المتحدة بالفعل في تدريب العلماء. ففي عام 2022، وهو أحدث عام تتوافر عنه بيانات، منحت الصين أكثر من 53 ألف درجة دكتوراه في العلوم والهندسة، في حين منحت.....
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه
هذا المحتوى مقدم من اندبندنت عربية
