تشهد السياسة الأمريكية تجاه إيران تحولًا واضحًا بين نهج التفاوض الذي تبنته إدارة الرئيس الأسبق باراك أوباما، وخيار التصعيد العسكري الذي اعتمده الرئيس دونالد ترامب، في وقت تتجه فيه واشنطن مجددًا نحو البحث عن اتفاق ينهي الحرب.
واعتمدت إدارة أوباما المسار الدبلوماسي، حيث توصلت، بالتعاون مع قوى دولية كبرى، إلى اتفاق نووي مع إيران يقيد برنامجها لفترة تقارب عشر سنوات. وجاء الاتفاق رغم معارضة شديدة من رئيس وزراء الاحتلال الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، الذي خاطب الكونغرس الأمريكي عام 2015 رفضًا له.
في المقابل، اختارت إدارة ترامب التصعيد. فبعد انسحابها من الاتفاق النووي، ومع تعثر المفاوضات بشأن اتفاق بديل، اتجهت إلى الخيار العسكري. وتشير تقارير إلى أن ترامب ناقش مع نتنياهو تنفيذ ضربة مفاجئة ضد إيران دون تنسيق مع الحلفاء في أوروبا أو الشرق الأوسط.
نتائج الحرب وتداعياتها أدت العمليات العسكرية إلى إضعاف قدرات إيران العسكرية، بما في ذلك قدراتها البحرية والصاروخية، إلا أنها لم تقضِ على برنامجها النووي. ولا تزال المواد النووية داخل إيران، ويُعتقد أنها مخزنة في مواقع تحت الأرض. في المقابل، عززت إيران موقعها الاستراتيجي من خلال السيطرة على مضيق هرمز، ما منحها تأثيرًا مباشرًا على إمدادات الطاقة العالمية.
وتسعى الولايات المتحدة حاليًا إلى التوصل لاتفاق ينهي الحرب، مع انطلاق محادثات في إسلام أباد، يوم السبت، تهدف إلى تثبيت وقف إطلاق النار. ويعمل ترامب على تحقيق نتيجة يصفها بأنها أفضل من اتفاق أوباما، دون الانخراط في نزاع طويل.
ويواصل ترامب انتقاد الاتفاق النووي الموقع عام 2015، معتبرًا أنه سمح لإيران بالاقتراب من امتلاك سلاح نووي. كما يكرر الإشارة إلى تحويل 400 مليون دولار نقدًا إلى طهران، رغم أن هذه الأموال كانت أصولًا إيرانية مجمدة تم الإفراج عنها ضمن تسوية مالية. وتشير التقديرات إلى أن أي اتفاق جديد قد يتطلب تنازلات مالية أكبر، تشمل رفع العقوبات أو الإفراج عن أصول مجمدة، إضافة إلى احتمال فرض إيران رسومًا على مرور السفن في مضيق هرمز.
تفاصيل الاتفاق النووي السابق نص الاتفاق النووي في عهد أوباما على تقليص أنشطة إيران النووية، والحد من تخصيب اليورانيوم، والسماح بعمليات تفتيش دولية، مقابل رفع تدريجي للعقوبات والإفراج عن أموال مجمدة. وشارك في الاتفاق الولايات المتحدة وروسيا والصين وفرنسا وبريطانيا وألمانيا، إلى جانب الاتحاد الأوروبي.
وانسحبت الولايات المتحدة من الاتفاق عام 2018 خلال ولاية ترامب الأولى، ما دفع إيران لاحقًا إلى تقليص التزاماتها والعودة لتوسيع برنامجها النووي، عبر زيادة التخصيب وتطوير منشآت جديدة، مع استمرار تأكيدها عدم السعي لامتلاك سلاح نووي. وتطالب إدارة ترامب بوقف كامل لتخصيب اليورانيوم وتسليم المخزونات النووية، بينما تتمسك إيران بحقها في التخصيب لأغراض سلمية، ما يزيد من تعقيد المفاوضات.
في غضون ذلك، أصبحت سيطرة إيران على مضيق هرمز عاملًا حاسمًا في موازين التفاوض، إذ يمر عبره نحو خُمس إمدادات النفط والغاز عالميًا. ويمنح ذلك طهران قدرة على التأثير في الأسواق، إضافة إلى إمكانية تحقيق عوائد مالية من رسوم العبور. وتشير تقديرات بعض الوسطاء إلى أن إيران كانت مستعدة لتقديم تنازلات قبل اندلاع الحرب، تشمل تقليص مستويات التخصيب بشكل كبير تحت رقابة دولية. في المقابل، ترى إدارة ترامب أن الموقف الإيراني كان متشددًا ويرفض التخلي عن حق التخصيب.
وتواجه الولايات المتحدة تحديات معقدة في التوصل إلى اتفاق جديد، في ظل تغير موازين القوى وتعاظم نفوذ إيران الإقليمي والاقتصادي. وتشير المعطيات إلى أن أي اتفاق قادم سيختلف عن اتفاق 2015، وسيعكس واقعًا سياسيًا واستراتيجيًا جديدًا تشكل خلال السنوات الأخيرة.
هذا المحتوى مقدم من العلم
