لم يعتد شعب الخليج العربي على التعريف بنفسه على المستوى الإعلامي والفكري، ولا يملك خطابًا إعلاميًّا ذكيًّا مُسَخّرًا لهذا الشأن الحيوي والمُؤَثِّر على المستويين الإقليمي والدولي في العصر الحديث، بهدف بناء الصورة الجديدة والتاريخية لهذا الشعب، فنشأت فجوة معرفية في سيسيولوجيا الخليج، ونشأت صورٌ ذهنية متضاربة عن خليجنا لدى الآخر، العربي والأجنبي، القريب والبعيد .. لعل السبب في ذلك هو مبدأ « الإقلال في وصف الذات » في الثقافة البدوية العربية الأصيلة، التي تعتمد على قراءة الإنسان عبر أفعاله وسلوكه ومواقفه من دون التفاخر والعلو بالسرديات والأساطير .. لذلك لم يتعرف العالم خارج هذا الإقليم على الإنسان الخليجي في سلوكه، ومبادئه الأخلاقية، ونمط حياته المعيشي والفكري العصري في مجتمعات محافظة وملتزمة بآداب وأعراف التقاليد العربية والإسلامية، حتى وجدنا أنفسنا ( نحن أبناء الخليج ) أمام سؤال عميق حول « صورة المجتمع الخليجي » في الإعلام والخطاب الخارجي، وفي مخيلة الآخر، وأمام تحدٍّ واقعي لسرديات غير واقعية حول الإنسان الخليجي .
تذكرت هذا الأمر، الذي يلامس قضية جوهرية تتجاوز تفاصيل الحرب التي نعيشها إلى فجوة التمثيل بين صورة المجتمعات الخليجية كما تعيشها وتصنعها شعوبها، وصورتها كما تظهر ( أو لا تظهر ) في الخطاب الإعلامي والسياسي العالمي . تذكرت ذلك وأنا أراقب يوميًّا، وأقرأ من قرب، تفاصيل تعامل مجتمعنا الخليجي مع حرب طاحنة ليست حربنا، بل فُرِضَت علينا بالحديد والنار في 28 فبراير 2026 .. فكان أمامي مشهدٌ يستدعي سرده، واعتباره فرصةً تاريخية للكشف عن زاوية من زوايا الحياة في الخليج، وتصحيح المشهد المختلف والمجحف .. وإن مبادئ « الالتزام، الصمود، الوعي، والتقدم المدني » التي وثقتها في مراقباتي هي نماذج يمكن أن تصحح المفاهيم المغلوطة في الإعلام، الذي غالبًا ما يُرَكِّز على الخليجي بنمطية « النفط، الصحراء، الترف » .. وإن ما قمت بتوثيقه هو جزء من هذه الفرصة للتغيير، ولسد الفجوة المعرفية السائدة .
ومن هنا، من مملكة البحرين في الخليج العربي، سأسرد ما وثقته في أوراقي من أرض الواقع، ومن بعض المراجع الإعلامية الجادة ( المذكورة في نهاية المقال ) التي كَتَبَت مِن واقع معيشي، لتحليل الأداء المجتمعي في هذه الحرب، في إشارة إلى كيفية التعامل مع الضوابط والتعليمات، والتفاعل مع الأحداث، والالتزام بالأنظمة، والعوامل المؤثرة في هذا الأداء .
إن الأداء الذي أبدته المجتمعات الخليجية خلال هذه الحرب، كما تشير إليه وقائع الأسابيع الماضية، لم يكن وليد اللحظة، بل هو انعكاس مباشر لاستراتيجيات مدروسة ومشاعر متجذرة .. هذا الأداء يمكن قراءته عبر محاور رئيسية أهمها الانضباط، والصمود، واستيعاب دروس الماضي .
الانضباط في الأزمة ..
استجابة فورية وواعية
منذ اليوم الأول، أظهرت المجتمعات الخليجية التزامًا لافتًا بالتعليمات الرسمية، وهو ما يعكس نضجًا في التعامل مع الأزمات وثقة عالية في مؤسسات الدولة؛ فلم يكن التجاوب مع التحذيرات والإجراءات الوقائية عبارة عن ردود فعل عشوائية أو مذعورة، بل اتسمت بالهدوء والالتزام، كما وُثّقت في تقارير عن « التزام جيد بإجراءات السلامة من قبل المؤسسات والجمهور .... » ، واستجابة سريعة لتحذيرات مثل الإخلاء أو « البحث عن مأوى فوري » فور صدورها .. كما أظهر الناس وعيًا في التعامل مع التعليمات التفصيلية، كتأكيد إبقاء الطرق سالكة لفرق الطوارئ، وتجنب الاقتراب من الحطام غير المألوف، والاعتماد على المصادر الرسمية لمكافحة الشائعات .
لذلك أسهم الأفراد والجماعات والمؤسسات على سيولة واستمرارية الحياة اليومية رغم طبيعة الحرب غير المسبوقة، فلم تشهد المنطقة انهيارًا في النسيج الاجتماعي أو الاقتصادي؛ بل لاحظ محللون أن الأسواق والمخازن تسير بشكل طبيعي، بفضل خطط الطوارئ .. وحتى المستثمرون بدأوا يتعاملون مع الهجمات على أنها « مشكلة يمكن احتواؤها » بعدما بدأوا في تسعير.....
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه
هذا المحتوى مقدم من صحيفة أخبار الخليج البحرينية
