المشهد السمعي البصري المغربي في زمن “النوار”
تمر الإنتاجات التلفزيونية في المغرب بمرحلة تحوُّل فريدة، وإن كانت غير هيكلية، تتأرجح بين ضرورات الاستهلاك الجماهيري والطموح المتزايد نحو المعايير الجمالية الدولية. وفي هذا السياق تندرج سلسلة “K1 من إخراج نور الدين الخماري، رائد سينما “السواد” المغربية – كمحاولة للقطع مع القواعد المعهودة في النوع البوليسي. وبدعم من شركة الإنتاج “K1” (بإدارة السيدة خديجة العلمي) وبإنتاج تنفيذي بخبرة الدار البيضاء-لوس أنجلوس، يطمح العمل إلى الارتقاء بالمستوى البصري التلفزيوني الوطني.
ومع ذلك، يصطدم هذا السعي نحو التميز التقني بواقع المنظومة الإنتاجية المحلية (تقودها هنا القناة الثانية 2M) حيث تساهم ضغوط طبيعة ومعايير الإنتاج وشروط البرمجة وبعض نماذج التصنيع في إضعاف العمق السردي غالباً.
بعد مشاهدة حلقتين، نقترح على المهنيين والجمهور المتتبع قراءة نقدية أولية، ونحن واعون جيدا هنا بممارسة تمرين معقد في ثقافة لا يزال النقد فيها غير مقبول بشكل عام، لاسيما حين يتسم بالنزاهة والقوة وعدم المهادنة.
الإنتاج: الازدواجية بين الخبرة العالمية (K1) والقوالب المحلية.
يبدو أن السلسلة، تكشف منذ دقائقها الأولى عن تفاوت بين طموح إنتاجي “هوليوودي” وبين إكراهات السوق والتسويق المحلي بجمهورها وذوقها العام. تتجلى لمسة المنتجة والمخرج معا، في جودة تقنية لا تشوبها شائبة: تصحيح ألوان دقيق وأنسجة بصرية غنية ومعدات متطورة، ومع ذلك، فإن هذا الحضور الجمالي التقني لا يكفي لسد الثغرات في الرؤية الفنية البنيوية العميقة وتفاصيلها الشاملة.
تظل صورة مسلسلات الدراما في المغرب، بالنسبة لنا كما هو معلوم، رهينة رؤية تقنية مستلبة تحضر وتعتمد تقنيات الآلة وتتجاهل الإنسان. هكذا يتحول الإنتاج، بكل وضوح، إلى واجهة لإخفاء فقر رؤية فنية وفكرية وجمالية عميقة تربط الصورة بالتخييل الإبداعي الذي يسمو بالواقع، كما يعكس ديناميكيا الواقع المعيش للمشاهد. وعلى الرغم كن توفر الإنتاج والإخراج معا على خبرة سينمائية، يبدو أن كلاهما قد فضلا – إن كان الاختيار واعيا وقصديا وأشك في ذلك – “الوعاء”، أي الجانب البصري الصرف، على “المحتوى”، أي المنطق الدرامي، وهو الأمر الذي ما سمح بمرور مشاهد يكسر اصطناعها انسجام الرغبة والواقع، ويحبط المشاهد ذي العين الخبيرة، وإن كان الأمر لا يهم في العمق صناع التلفزيون والسينما في أغلبيتهم ببلادنا عموما كما هو معروف ومشهود عليه، مادام قياس نسب المتابعة الكمي الصرف هنا أيضا، هو الشاهد والمقياس المعتمد.
السيناريو: بين آلية الحدث والفراغ الدرامي.
يسعى سيناريو “K1” إلى إرساء دراماتورجيا قائمة على التوتر والتشويق، غير أن الكتابة تقع منذ الحلقتين الأوليين، في فخ “الحتمية الوظيفية”. يشكل المشهد المحوري في الحلقة الأولى – تدخل الضابطة لمنع محاولة انتحار – نموذجاً لهذا الوهن البيِّن، إذ يصور الحدث بطريقة ميكانيكية مُفتقراً بشكل مفضوح إلى تصاعد تراجيدي حقيقي. حيث لم يمنح النص حالة اليأس لدى المنتحر وقتها الكافي للنضج، كما لم يمنح التدخل الأمني بعده البطولي المشروع، مما جعل المشهد يبدو سطحياً ومصطنعاً بشكل مدهش وصادم.
يحلل الفيلسوف فرانسوا جوليان هذا الخلل في الانجاز ببراعة من خلال مفهوم “الفعالية” حيث يقول: «إن الفعالية الحقيقية لا تكمن في فرض الفعل قسراً على الواقع، بل تكمن في ترك الظروف تنضج كي تظهر النتائج من تلقاء نفسها» (رسالة في الفعالية، فرانسوا جوليان، 1996). يفرض السيناريو في مسلسلنا هذا الفعل قسراً. وتتكرس هذه النزعة في الحلقة الثانية حيث تعيق الحوارات التفسيرية التلقائية أي إبداع، محولةً السرد إلى تنفيذ جامد لتوجيهات الإخراج، ولربما الإنتاج.....
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه
هذا المحتوى مقدم من هسبريس
