الجماعات القروية

الغاية والمبررات:

ليس القصد من هذا المقال تقديم سرد تاريخي للمسار الديمقراطي ببلادنا، بقدر ما هو محاولة للوقوف عند بعض الإنجازات والتحديات التي طبعت التجربة الديمقراطية بالمغرب منذ الاستقلال، ولا سيما تلك المرتبطة بتدبير الشأن المحلي على مستوى الجماعات القروية..

وقد تتبادر إلى الأذهان مباشرة أسئلة بديهية ومشروعة:

إلى أي حد عكست التوجهات التشريعية للمشرع المغربي في هذا المجال واقع وخصوصيات الثقافة السائدة لدى ساكنة العالم القروي؟

وهل حققت القوانين- المصوغة عموما برؤية مثالية- أي أثر حقيقي وناجع عند ممارستها، أم ظل تأثيرها محدودا في الواقع؟

وإلى أي حد تمكنت الجماعات الترابية، بصفة عامة، والجماعات القروية بصفة خاصة، من الاضطلاع بدورها الحقيقي في تحقيق التنمية الاقتصادية والاجتماعية بالقدر المطلوب؟ وما حجم المساهمة الفعلية للمنتخبين في مجالي التسيير والتدبير، وعلى أي أساس من التأهيل الثقافي والتكويني يستندون بما يُمكّنهم من إعداد مخططات استراتيجية محكمة، وفق برامج واقعية؟ ثم إلى أي حد يتوفر هؤلاء المنتخبون على الكفاءة اللازمة للاعتماد على إمكاناتهم الذاتية، من خلال الاجتهاد والابتكار، قصد تعبئة موارد مالية من مصادر متنوعة، تسهم في تعزيز ميزانيات جماعاتهم؟

كلها أسئلة تطرح نفسها. وطرحها ليس اعتباطيا، لأنها لا تأتي من مجرد متفرج يلاحظ ويقيم عن بعد، وإنما هي نابعة من تجربة شاهد عيان، وفاعل سياسي عاش بنفسه جل المراحل التي مرت بها التجربة الديمقراطية ببلادنا، على الأقل منذ 1976 إلى 2021 بدون انقطاع، منها ثلاث ولايات كرئيس جماعة وعضو مجلس إقليمي، بالإضافة إلى تجربة حزبية كعضو المكتب السياسي بأحد الأحزاب السياسية المغربية لمدة معينة. ويقول المثل الشعبي: “سوّل المجرب وما تسوّل طبيب”.

لمحة تاريخية:

وحتى لا ننطلق من فراغ، لابد من إطلالة خاطفة على الماضي غير البعيد نحددها في نهاية عهد الحماية بالمغرب.

لما انقشع ظلام الاستعمار، وأشرق نور الاسقلال، اكتسب المغاربة قوة معنوية جديدة تولدت عنها إرادة صادقة، وعزيمة راسخة لبناء مغرب حديث قائم على أسس متينة قوامها النهج الديمقراطي المتعارف عليه دوليا، في انسجام مع الأعراف والقيم المعمول بها وطنيا..

ومن بين التحديات الكبرى التي واجهت المغرب آنذاك، كانت تلك الخاصة بإعادة هيكلة الدولة، والخروج المبكر من وصاية الاستعمار، بالتأسيس لنظام سياسي أصيل على المقاس، يأخذ بعين الاعتبار المقومات والثوابت الراسخة للأمة، والتشبت بحضارتها المتجدرة، مع الانفتاح على روح العصر، وذلك ببناء مؤسسات عصرية متخصصة ومتنوعة كآليات لتسيير وتدبير شؤون البلاد..

فجاء خطاب الملك محمد الخامس مباشرة غداة عودته من المنفى ليدشن العهد الجديد بكلمته الشهيرة ” لقد رجعنا من الجهاد الأصغر إلى الجهاد الأكبر”.. وهذا يدل على أن الملك قد استوعب مبكرا بأن مقاومة الاستعمار كانت واجبة، والحصول على الاستقلال كان بحق مكسبا ثمينا، لكن الأهم كان بالنسبة إليه هو العمل على بناء مغرب جديد على أسس متينة تضمن استقراره السياسي والاجتماعي والاقتصادي، وذلك بتلاحم الشعب المغربي بالعرش أولا، قولا وعملا، في ظل الشعار ” الله الوطن الملك”..

فكانت الخطوة الأولى هي العمل على تثبيت الأرضية الأساسية لتكون بمثابة رافعة صلبة تساعد على إجراء إصلاحات هيكلية وفي مقدمتها وحدة المغرب من شماله إلى جنوبه، ومن شرقه إلى غربه، تم تدشينها بإشارة رمزية من خلال بناء “طريق الوحدة” عام 1957 على طول 80 كلم.

وبعد ذلك مباشرة، تم الشروع في تشييد أسس الدولة بشكل فعلي وفق نموذج سياسي وإداري وسوسيو-اقتصادي جديد، هدفه الارتقاء بالمغرب إلى مصاف الدول النامية على المدى القريب، ثم إلى مصاف الدول المتقدمة على المدى المتوسط والبعيد..

وهكذا، سارع المغرب فور حصوله رسميا على الاستقلال عام 1956 إلى هيكلة الدولة، بدءا ببناء المؤسسات السياسية والعسكرية والأمنية، والقيام بإصلاحات جوهرية وفي مقدمتها الإصلاحات الدستورية والقانونية، توجت بدستور 1962 الذي كان بمثابة اللبنة الأولى في ترسيخ الحقوق السياسية والاجتماعية، والاقتصادية، وذلك بضمان حرية الرأي والتعبير، والاجتماع، وتأسيس الجمعيات، وإصدار الصحف.. وفي نفس الإطار تم إقرار نظام العمالات والأقاليم لتثبيت سلطة الدولة، مواكبة مع إصلاح القضاء وتوحيده، وإصلاح النظام الجبائي، ومغربة الإدارة وتعريبها.

وفي خضم كل هذه الإصلاحات، قرر المغرب أن يؤسس لتجربة ديمقراطية، وذلك بإرساء مؤسسات منتخبة، كتمرين على ممارسة الشأن المحلي عبر جماعات ترابية تعتبر الركيزة الأساسية للديمقراطية المحلية، وتتيح الفرصة للمواطنين تدبير شؤونهم التنموية، الاجتماعية والثقافية بشكل مباشر عبر منتخبيهم.

بوادر الإصلاح:

لقد صدر القانون الجماعي لأول مرة سنة 1960؛ وكان هدفه تعزيز اللامركزية وتسيير الشأن المحلي بتنظيم وتوحيد الجماعات الترابية، وتحديد اختصاصاتها، تم على إثره إحداث 108 جماعة قروية وحضرية، مقابل 1503 في الوقت الراهن، منها 1282 جماعة قروية.

فكان هذا الميثاق بداية لسلسلة من الإصلاحات التي تلته في أربع محطات: 1976، 2002، 2009، 2011، من أجل تطوير وتجويد التدبير المحلي؛ حتى أصبحت هذه المحطات تعتبر كلها “تجربة ديمقراطية” بصفة دائمة، وكأن هذه الجماعات “ولدت بإعاقة مستديمة” لا تستطيع النمو بكيفية طبيعية، لتظل خاضعة “لعلاج” دائم ومستمر..

لا شك أن إحداث الجماعات الترابية كان من أهم التجليات الأولى لممارسة الديمقراطية على أرض الواقع. لكن هذه الجماعات، وخاصة الجماعات القروية، لم تنل حقها الكافي من الوضع الجديد، حيث ظلت تعيش الفقر والهشاشة، والأمية، والمرض، والنقص في التجهيزات، وقلة الخدمات..

فقبل ظهير 1976، لم تكن الجماعات القروية تتمتع بوزن قانوني وسياسي يمكنها من الاضطلاع بدورها الفعال في تحقيق التنمية المنشودة، اقتصاديا واجتماعيا وثقافيا، إذ طغت عليها الوصاية الإدارية المشددة، لم تترك لها الاستقلالية اللازمة في تسيير وتدبير شؤونها بنفسها، حيث كان القائد آنذاك هو الموجه والمقرر الحقيقي في تدبير الشؤون الجماعية، ليبقى المجلس مجرد “ديكور” يصادق على المقررات التي لا تتعارض مع أهداف السلطة الوصية؛ مما يعني أن الانطلاقة لم تكن موفقة، تشريعا وممارسة؛ ليصدق عليها المثل الشعبي:” قالوا فلان طاح، قالوا من الخيمة خرج مايل”..

وقد يكون للمشرع المغربي، خلال الفترة الممتدة ما بين بداية الاستقلال إلى صدور الميثاق الجماعي سنة 1976، ما يبرر بعض اختياراته؛ وذلك بالنظر إلى حساسية الظروف والأحداث آنذاك، وما كانت تفرضه من قدر كبير من التريث والحذر، تفاديا للوقوع في أخطاء جسيمة قد تنحرف بالبلاد نحو وجهة غير سليمة.

ودامت هذه المرحلة زهاء عقدين من الزمن، وهي مدة كانت كافية، باعتبارها تجربة أولى في ممارسة الديمقراطية. ولكن بعد هذه المدة الطويلة، لم يعد هناك ما يبرر الاستمرار على النهج ذاته الذي ثبت عُقمه، بل أصبح لزاما على الدولة أن ترتقي بهذه الممارسة إلى مستوى أفضل، قوامها الالتزام بالمبادئ الكونية التي تطبعها الجدية والشفافية سواء على مستوى التشريع أوعند التطبيق..

ومرت المرحلة الإنتقالية ( 1960- 1976) في ظروف غير مستقرة، كان لها لاشك، تأثير مباشر على السير العادي للمؤسسات المنتخبة وخاصة منها الجماعات القروية، التي عانت وقتها من ثقل الوصاية المفرطة للسلطة، حالت دون نيلها حظها الوافر في التنمية؛ وبات من الضروري أن تساير الدولة التطورات والتحولات التي تعرفها البلاد، وتأخذ بعين الاعتبار درجة الوعي الذي وصل إليه المجتمع المغربي، فأتت بظهير 1976 الذي كان حقا بمثابة ثورة في التشريع المغربي، حيث شكل منعطفا تاريخيا بتوسيع اختصاصات المجالس المحلية، ونقلة نوعية في تدبير الشأن المحلي من خلال تعزيز اللامركزية لتشمل التنمية الاقتصادية والاجتماعية.

قفزة نوعية في المسار التشريعي:

لقد شكل الميثاق الجماعي لسنة 1976 بحق إنجازا تشريعيا متميزا، أسهم في تحقيق جانب مهم من الأهداف التي توخاها المشرع المغربي، لا سيما على مستوى الجماعات الحضرية المؤهلة هيكليا، والمؤهبة لتنزيل مقتضياته على أرض الواقع، بفضل ما تتوفر عليه أصلا من وسائل بشرية وموارد مالية ذاتية.

أما بالنسبة للجماعات القروية، فإن الوضع يختلف جدريا، إذ وجدت نفسها مطالبة بإعادة بناء ذاتها من جديد، في ظل افتقارها إلى الإمكانيات البشرية والمادية الضرورية الجديرة برفع التحديات التي تواجهها في تحقيق النهضة الاقتصادية والاجتماعية المنشودة. ويزداد هذا التحدي حدة بفعل اتساع المجال الترابي الذي تشمله، ووعورة تضاريسه، وضعف أو انعدام التجهيزات الأساسية في معظم مناطقه، فضلا عن ندرة الموارد الطبيعية والجبائية..

شهدت الجماعات القروية بالمغرب تحقيق عدد من المكتسبات والتي لا يمكن إنكارها، رغم ما يطبعها من محدودية في الأثر وضعف في الفعالية على مستوى التشريع والممارسة.

فقد سُجِّل تقدم ملموس في مجال الحريات، وتراجع نسبي في الممارسة السلبية لسلطة الوصاية، بما أتاح هامشا أوسع لتدبير الشأن المحلي.

كما أسهم قرب المنتخبين من الساكنة في تقريب بعض الخدمات العمومية البسيطة، وتيسير الولوج إلى المرافق الإدارية، فضلا عن إشراك المواطنين، ولو بشكل محدود، في إبداء آرائهم بشأن إنجاز مشاريع صغرى داخل دواويرهم.

ومع ذلك، تظل هذه الإنجازات جزئية ولا ترقى إلى مستوى التحول النوعي المنشود، بالنظر إلى استمرار اختلالات بنيوية ذات أبعاد سياسية واقتصادية واجتماعية، تحد من بلوغ جماعات العالم القروي درجة كافية من التمكين الديمقراطي القادر على إرساء تنمية مستديمة. لذلك، يظل من الضروري إخضاع هذه التجربة لتشخيص موضوعي دقيق، يهدف إلى تقييم حصيلتها ورصد أعطابها الحقيقية، بما يمكن من تصحيح مسارها وتعزيز نجاعتها التنموية..

تطور تشريعي وعقم في الممارسة:

لم يَكلّ المشرّع المغربي، ولم يتوقف عن إنتاج النصوص التشريعية منذ إحداث الجماعات المحلية، ولا سيما القروية منها، بالنظر إلى الرزمة الكثيفة من القوانين التي أعدّها، إلى حدّ “التخمة”، بهدف سدّ الثغرات.....

لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه


هذا المحتوى مقدم من هسبريس

إقرأ على الموقع الرسمي


المزيد من هسبريس

منذ 7 ساعات
منذ 5 ساعات
منذ 4 ساعات
منذ ساعتين
منذ 7 ساعات
منذ 6 ساعات
هسبريس منذ 19 ساعة
هسبريس منذ 23 ساعة
موقع بالواضح منذ 12 ساعة
هسبريس منذ 15 ساعة
وكالة الأنباء المغربية منذ 11 ساعة
هسبريس منذ 8 ساعات
هسبريس منذ 16 ساعة
2M.ma منذ 8 ساعات