إن هذا التوجه التشريعي الذي انتهجه مجلس الأعيان، والذي جمع بين التخفيف في جانب الغرامة المالية والتشديد في جانب العقوبة السالبة للحرية، يثير تساؤلات مشروعة حول مغزاه، ومدى انسجامه مع الدور الدستوري المنوط بالمجلس، بوصفه مجلس حكماء يضم خبرات وطنية تحظى بثقة عامة، ويعوّل عليه في إعادة النظر في النصوص التشريعية بعيدا عن الانفعال، وبمنطق يقوم على تحقيق التوازن الاجتماعي والاقتصادي.
وفي هذا السياق، ومن خلال قراءة فقهية متأنية للتعديل الذي أقره مجلس الأعيان، يمكن القول إنه جاء منسجما مع طبيعة الجريمة محل التجريم. فشراء الحقوق الناشئة عن عقود التأمين، رغم ما قد ينطوي عليه من تحايل أو استغلال، يظل في جوهره سلوكا جرميا ذا طبيعة مالية، وأقرب إلى السعي لتحقيق ربح غير مشروع منه إلى كونه من الجرائم التي تمس الأمن الوطني أو السلامة العامة. ومن ثم، فإن المغالاة في فرض العقوبات المالية قد لا تكون متناسبة مع طبيعة هذا الفعل.
وانطلاقا من ذلك، فإن تخفيض قيمة الغرامة المالية التي فرضها مجلس النواب يمكن النظر إليه في إطار تحقيق مبدأ التناسب بين الجريمة والعقوبة. فالغرامات المرتفعة جدا قد تفقد فعاليتها العملية، سواء بسبب صعوبة تحصيلها من المحكوم عليهم أو بسبب دفعهم إلى التهرب منها، في حين أن العقوبة المالية المعقولة، القابلة للتنفيذ، تكون أكثر قدرة على تحقيق الردع العام والخاص.
وفي المقابل، فإن رفع الحد الأدنى لعقوبة الحبس إلى ستة أشهر يعكس توجها واضحا نحو تعزيز الردع الجزائي الفعلي، لا الشكلي. فالعقوبات السالبة للحرية، حتى في ظل إمكانية استبدالها أحيانا، تبقى أكثر أثرا في مواجهة السلوكات التي تتخذ طابعا منظما وتمس استقرار المعاملات المدنية والتجارية.
وعلى صعيد أوسع، فإن هذا التعديل يبعث برسالة تشريعية مهمة ينبغي استحضارها مستقبلا، قوامها ضرورة التمييز بين السياسات الجزائية وفقا لاختلاف طبيعة الجرائم. فإذا كان قانون الجرائم الإلكترونية النافذ قد تضمن تشديدا ملحوظا في الغرامات المالية باعتبارها أداة ردع رئيسية، فإنه لا يستقيم، من الناحية القانونية أو المنطقية، القياس.....
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه
هذا المحتوى مقدم من صحيفة الرأي الأردنية
