قبل الحديث عن الهدنة الهشة التي نشهدها حاليا بين الولايات المتحدة وإيران، انصرف البعض إلى تصريحات الرئيس الأمريكي دونالد ترامب حول « القضاء على الحضارة الفارسية » ، وهي العبارة التي تعكس عقلية قائلها الذي لا يدرك أن الحضارات في حقيقتها لا تُمحى بالقوة العسكرية، ولا تنتهي بضربة صاروخ أو حملة عسكرية، بل تضمحل حين تتوقف عن العطاء، وتفقد قدرتها على الإسهام في مسيرة الإنسانية .
والذي غاب عن ذهن ترامب والكثيرين أن إيران الحالية ليست امتدادًا لحضارة عريقة لم تكن يومًا بمعزل عن محيطها، بل كانت شريكًا فاعلا في تشكيل واحدة من أعظم التجارب الإنسانية، وهي الحضارة الإسلامية .
الحقائق تؤكد أن الحضارة الفارسية توقفت وذبلت منذ 47 عامًا، عندما انكفأت على أيديولوجيا ضيقة، وحين استبدلت دورها في البناء بدور في الهدم، وهذا تحديدًا ما حدث لإيران منذ عام 1979 من خلال تصدير عقلية الثورة الدائمة، ومنذ ذلك التحول لم يعد العالم يسمع عن إسهام إيراني نوعي في الحضارة الإنسانية، بقدر ما يسمع عن أزمات، وصراعات، وتدخلات .
وما لا يدركه القائمون على النظام الإيراني حاليا أن الإرث الفارسي لم يُبنَ ليُستخدم غطاءً لمشروع توسعي، ولا ليُختزل في شعارات سياسية تُرفع لتبرير التدخل في شؤون الآخرين .
منذ استيلاء رجال الدين على السلطة في إيران لم تعد الأولوية للتنمية، بل لتوسيع النفوذ، وهنا بدأت إيران تفقد تدريجيًّا مكانتها الحضارية، وتتحول إلى دولة إقليمية مثيرة للقلق بدل أن تكون شريكًا حضاريًّا .
وما نراه في لبنان، وفي سوريا، وفي العراق، وفي اليمن، ما هو إلا شواهد على دور إيران التخريبي، من خلال تغذية صراعات، وتعميق انقسامات، فلم تعد إيران تُعرف بما تقدمه للبشرية، بل بما تخلقه من أزمات في محيطها .
وهنا يكمن جوهر التراجع الحضاري الإيراني الذي انتقل من خانة الإسهام إلى مربع العبث والدمار .
النظام الإيراني لم يكتفِ بتصدير أزماته إلى الخارج، بل مارس القمع في الداخل، وقوّض مقومات مجتمعه، المرأة الإيرانية، التي كانت جزءًا من الحراك الثقافي والاجتماعي، أصبحت ضحية لقيود صارمة، وأي محاولة للاعتراض كانت تُقابل بالقمع، كما كشفت حادثة مهسا أميني، التي لم تكن سوى مثال صارخ على فجوة عميقة بين النظام وشعبه .
أما الشعارات الكبرى التي يرفعها النظام الايراني، على رأسها « الدفاع عن القضايا العربية والإسلامية » ، فقد تحولت إلى أدوات دعائية، فالقضية الفلسطينية، التي تُستخدم بكثافة في الخطاب الإيراني، لم تكن يومًا بمنأى عن التوظيف السياسي، في وقت كانت فيه سياسات طهران على الأرض تُسهم في تفكيك دول عربية، بدلا من تعزيز قوتها، كما نرى في المشهد العراقي حاليا، وما حدث من اقتحام للقنصلية الكويتية بالعراق على يد أذناب نظام الملالي الإيراني، وهم يرفعون أعلام إيران، إلا دليلا دامغا على الممارسات السلبية لهذا النظام تجاه جيرانه .
ولعل ما يزيد المشهد وضوحًا أن إيران لم تعد تُخفي اعتمادها.....
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه
هذا المحتوى مقدم من صحيفة أخبار الخليج البحرينية
