لا شك أن سعي الإنسان إلى المعرفة والحصول على المعلومات كان دومًا ضرورة للبقاء وتحقيق الاستقرار، وأن الدولة، بوصفها كيانا سياسيا واجتماعيا، اعتمدت عبر العصور على أنظمة دقيقة لجمع الأخبار وتحليلها، سواء في أوقات السلم أو الحرب، ومن هذا المنطلق، تبرز أهمية دراسة نظام الاستخبارات والتجسس في العصرين الأيوبي والمملوكي، باعتباره أحد العوامل المؤثرة في استقرار الدولة في العصرين وانتصاراتها العسكرية.
وترى د. نيللي يسري شلبي، في كتابها «نظام الاستخبارات والتجسس في العصر المملوكي» (الهيئة المصرية العامة للكتاب، 2026) أن نظام الاستخبارات والتجسس أصبح عاملا فعالا ومساعدا في سير جوانب الحياة المختلفة (عسكريا وسياسيا واقتصاديا) وغيرها من جوانب الحياة للدولة في عصر المماليك؛ لأنه يعتمد على المعلومات والمعرفة الدائمة بأحوال الدولة نفسها وأخبارها، بل وأخبار الدول المحيطة بها.
لم يقتصر، إذن، عمل الموظفين في نظام الجاسوسية على الجانب العسكري، بل استُخدم الجواسيس للأغراض الاقتصادية والاجتماعية وغيرها، حيث كان على الجواسيس استطلاع المنازل والمراعي والمهام، ولا سيما في أوقات الجدب، وانحباس المطر، كانوا يسمونه الرائد، كما اعتمدوا على النساء لا سيما الجواري منهن في جلب المعلومات، واستخدموا العبيد للحصول على الأخبار المتعلقة بأسيادهم. ففي العصر الأيوبي، اعتمد الملك المعظم عيسى بن الملك العادل على النساء في التجسس، فكن إذا شعرن بخروج الفرنج من مدينة عكا، فتحت المرأة طاقة بيتها المقابلة لجبل الكرمل، وأشارت إلى المكان الذي سيقصدونه، وهو ما جعل الصليبيين لا يقصدون مكانا إلا وجدوا عسكر المعظم سبقهم إليه.
كما يعد من أهم مصادر التجسس والاستخبارات: العرفاء، والتجار، والرسل، إضافة إلى مصادر المعلومات في قبائل البربر بالمغرب العربي، كذلك مصادر اليهود، بجانب عمال الخراج، والعيون وصاحب الشرطة. كانت مهمتهم جمع الأخبار ونقلها، وكان ديوان البريد يمارس ثلاث مهام أساسية، هي: نقل الولاة المعينين أو المنقولين إلى مناطقهم الجديدة بصورة سرية في معظم الأحيان، ونقل القطاعات المهمة والصغيرة من الجند إلى الجبهات في أوقات الأزمات، ونقل طلبات الخليفة من المواد والأشخاص، وهذا دعا إلى التطور الدائم في نمط الاستخبارات والتجسس.
غني عن القول إن سلاطين الأيوبيين أدركوا أهمية التغلغل داخل أجهزة العدو عن طريق نظام الجاسوسية؛ للحصول على كل ما يهمهم معرفته عن أعدائهم الصليبيين. كما أنهم نوعوا في وسائل التغلغل حتى يضمنوا تدفق المعلومات إليهم. وعن طريق جواسيسه، استطاع السلطان صلاح الدين الأيوبي (567-589هـ/ 1171-1193م) التخلص من الأمراء والضباط المشكوك في ولائهم له، كما أرسل أخاه الأمير توران شاه في حملة إلى بلاد اليمن سيطر عليها في عام 569هـ/1174م، ويقول ابن الأثير في ذلك: واستقر ملك صلاح الدين بملكها، عندما تمكن صلاح الدين بمساعدة جواسيسه أيضا من التخلص من بقايا الشيعة الموجودين داخل مدينة القاهرة؛ إذ بلغه في عام 568هـ/1173م باجتماع بعض الشيعة في بلاد الصعيد وإغارتهم على بعض المدن، فأرسل السلطان صلاح الدين قواته على وجه السرعة للقضاء عليهم؛ لذا سعى صلاح الدين الأيوبي إلى احتلال قلاع الدعوة الإسماعيلية. بجانب ذلك، نجح السلطان صلاح الدين في إقامة شبكة قوية من البريد الجوي عن طريق الحمام الزاجل حيث أقام الأبراج الكبيرة والقوية، وأقام عليها الحراسة اليقظة؛ مما جعله على دراية بكل ما يدور في مملكته الكبيرة، كما أمكنه إرسال تعليماته إلى أي مكان في أي وقت.
كما زاد السلطان صلاح الدين من ربط مصر ببلاد الشام بواسطة البريد الجوي؛ حتى صارت هناك شبكة من المهابط في مصر وبلاد الشام، تمتد من أقصى جنوب مصر من مدينة أسوان في الصعيد إلى مدينة القاهرة وفي مدينة السويس إلى مدينة بلبيس، كل على حدة، ثم من مدينة بلبيس إلى بلاد الشام، ومن مدينة بلبيس أيضا إلى مدينة الصالحية إلى قطيا، ومن مدينة قطيا إلى الواردة في الطريق إلى مدينة غزة، ومنها إلى.....
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه
هذا المحتوى مقدم من مصراوي
