هل تصبح الجزائر "محجاً" للمسيحيين الكاثوليك في العالم؟

مصدر الصورة: Getty Images

ينطلق البابا لاون الرابع عشر، الاثنين، في جولة أفريقية تمتد 11 يوماً وتشمل أربع دول، تبدأ بالجزائر، تليها الكاميرون وأنغولا وغينيا الاستوائية.

ووجه البابا مباشرة بعد توليه منصب الحبر الأعظم في الفاتيكان، رسالة "خاصة" إلى الرئيس الجزائري، عبد المجيد تبون، عبر له فيها عن "رغبته الصادقة" في زيارة الجزائر.

ونقل الرسالة، وفق بيان لوزارة الخارجية الجزائرية، سفير الجزائر لدى الكرسي الرسولي، رشيد بلادهان، الذي حضر القداس لتهنئة البابا الجديد، بمناسبة انتخابه لمنصب "بابا الكنيسة الكاثوليكية، ورئيس دولة الفاتيكان".

فما السر وراء هذه الرغبة البابوية، وما العلاقة "الخاصة" بين رأس الكنيسة الكاثوليكية والجزائر؟

الواقع أن رسالة البابا أشارت بوضوح إلى دوافع رغبته في زيارة الجزائر، وإلى علاقته الشخصية بها. وذكر في حديثه مع السفير الجزائري أنه يرغب في رؤية مسقط رأس القديس أوغسطين، أبرز أعلام الفكر المسيحي، وأعظم الآباء اللاتين في الكنيسة الكاثوليكية، بعد بولس الرسول.

وعرّف الحبر الأعظم نفسه، في خطاب تنصيبه، بأنه "ابن القديس أوغسطين"، قائلاً إنه يفتخر باتباع فكره ومنهجه في الدين والحياة. ولا شك في أن هذه الرابطة الروحية، دفعته إلى التعبير عن رغبته في زيارة الأرض، التي أنجبت معلمه في الفكر وقدوته في العقيدة.

وأدى البابا لاون الرابع عشر، بعد انتخابه، زيارة مفاجئة لرهبنة القديس أوغسطينوس في روما. وهي جماعة في الكنيسة الكاثوليكة، لها فروع عبر العالم. كان الكاردينال، روبرت فرنسيس بريفوست، رئيسا لها، في الفترة من 2001 إلى 2013.

ودخل الكاردينال بريفوست دير الرهبنة الأوغسطينية في عام 1977. والتزم طريقتها في التعبد وأسلوبها في العمل، طوال حياته. ونال شهادة الدكتوراه في القانون الكنسي، في روما، عام 1987 بأطروحة عنوانها: "دور الرئيس المحلي لرهبانية القديس أوغسطينوس".

وأصبح لاون الرابع عشر أول بابا ينتمي إلى الرهبنة الأوغسطينية. ويظهر تأثره بالقديس أوغسطين في شعار الدرع الذي اختاره لنفسه وهو على رأس الكنيسة الكاثوليكية. ففي نصف الدرع السفلي نرى كتابا مغلقا، فوقه قلب يخترقه سهم. وهذا شعار مستوحى من مقولات القديس أوغسطينوس.

ويرمز الشعار إلى أعتناق القديس أوغسطينوس للمسيحية بعد رحلة طويلة وبحث عميق. ووصف حينها لقاءه "بكلمة الله" في هذه الصورة، بقوله "لقد جرحت قلبي بكلمتك". ويحمل درع البابوية أيضاً عبارة أوغسطينية باللاتينية، تقول: "في الواحد نصير واحداً".

ويشرح البابا معناها، في مقابلة مع "أخبار الفاتيكان"، بقوله: "إن الوحدة والتشارك من صميم الهبة الخاصة التي تميز رهبنة القديس أوغسطينوس، وهما أيضاً محور تفكيري وأسلوب عملي. ثم إنني كأوغسطيني، أعتبر تعزيز الوحدة والتشارك أمراً جوهرياً".

ومن الواضح أن فلسفة القديس أوغسطينوس وأفكاره في الدين والحياة، سيكون لها تأثير وبصمة في منهج الكنيسة الكاثوليكية وتوجهها، بقيادة البابا لاون الرابع عشر. ولا شك في أن زيارة مسقط رأس أحد أعظم مفكري المسيحية في العالم ستكون مصدر إلهام لتوجه الفاتيكان الجديد.

من هو القديس أوغسطين (354 م -430 م)؟ يوصف القديس أوغسطينوس بأنه أعظم المفكرين والفلاسفة في التراث المسيحي كله، وواحد من أعمدة الثقافة والأدب في القرون الوسطى الغربية. وهو دون شك أغزر معاصريه تأليفاً، وأعمقهم تفكيراً، وأوسعهم علماً، وأقواهم تأثيراً.

ويحتار مؤلفو سير الأعلام والدارسون للتراث المسيحي الغربي إلى اليوم في الكم الهائل من الكتب والرسائل، التي ألفها القديس أوغسطينوس، إذ تجاوز المعروف منها 230 كتابا. وترجم الكثير من كتبه إلى مختلف اللغات العصرية، ولكن بعضها لا يزال في المكتبات في نسخته اللاتينية الأصلية.

كان القديس أوغسطين عالماً متمكناً في مختلف العلوم والفنون، ومجادلاً قوياً حاداً في رأيه. وقد خصص عدداً كبيراً من كتاباته للمناظرة والرد على الأفكار والعقائد التي يختلف معها. وألف أيضاً في البلاغة والأدب والموسيقى والأخلاق والفلسفة والقانون والحقوق.

ومن أشهر أعماله وأوسعها انتشارا كتاب "اعترافات". ويقع الكتاب في 13 جزءا، يروي فيه تجاربه في الحياة، ورحلته الطويلة بحثا عن الحقيقة والإيمان، انتهاء باعتناقه المسيحية. ويعد عمله هذا أول سيرة ذاتية كتبت في تاريخ الثقافة الغربية.

ويصفه هنري تشادويك، أستاذ علم اللاهوت بجامعة كامبريدج، في كتابه "أوغسطينوس"، بأنه "أول رجل حديث" في التاريخ. وتتميز كتاباته وأفكاره "بعمق غير مسبوق". وكان له تأثير كبير في الطريقة التي ينظر بها الغرب إلى "طبيعة الإنسان" وإلى معنى كلمة "الرب".

وفي كتابه "مدينة الله"، ينافح القديس أوغسطين عن عقيدته بإيمان راسخ. ويتألف الكتاب من 22 جزءاً ينفي فيها مزاعم الوثنيين بأن المسيحية كانت سبباً في خراب روما. ويتحدث بتحليل عميق عن ثنائيات "الخير والشر"، و"حرية الاختيار والقدر الرباني"، و"الحياة الدنيا والآخرة".

ولد القديس أوغسطين في يوم 13 نوفمبر تشرين الثاني 354 م في تاغاست (سوق أهراس)، في بلاد الجزائر اليوم. والده باتريكوس كان وثنيا، يروى أنه اعتنق المسيحية قبل وفاته بفترة قصيرة. أما والدته مونيكا فكانت مسيحية ورعة، يطلق عليها لقب القديسة أيضا.

حرصت والدته على تلقينه تعاليم المسيحية ومبادئها منذ صغره. ولكنه نفر من الأساطير "الساذجة" التي كانت تُروى على لسان المبشرين والبطاركة، عن الدين وتعاليمه. وانجذب إلى علم الفلك والأدب و المسرح، ثم مال إلى المانوية واتبعها، قبل أن يهاجمها ويعود إلى المسيحية.

ويروى عن مونيكا أنها حزنت حزنا شديدا لما رأت من ابنها في شبابه من "انحراف" عن تعاليم الدين، وانغماس في حياة "اللهو والمجون". فكانت تبكي باستمرار لمدة عشرين سنة، إلى أن عاد ابنها إلى المسيحية. ولذلك أطلق على القديس أوغسطين لقب "ابن الدموع".

تلقى القديس أوغسطين تعليمه الأول في مسقط رأسه تاغاست (سوق أهراس) شرقي الجزائر. كانت تاغاست عبر التاريخ ملتقى للحضارات الرومانية والنوميدية والبيزنطية والإسلامية. ثم التحق بأكاديمية ماداوروس (مداوروش) على بعد 50 كيلومتر، من بلدته.

ومدينة مداوروش اليوم دائرة إدارية، تابعة لولاية سوق أهراس، التي تبعد عن الجزائر العاصمة بنحو 590 كيلومتر، شرقاً.

وتعد أكاديمية مداوروش أول جامعة في تاريخ أفريقيا. فيها تعلم القديس أوغسطين على يد أستاذه ماكسيميليان المداوروشي، وهو عالم لغوي من مؤسسي قواعد اللغة اللاتينية. أخذ عنه فن البلاغة والخطابة، وأصبح فيما بعد صديقاً له، على الرغم من اختلافهما في العقيدة.

ويذكر القديس أوغسطين في كتاباته أعلام بلاده ونوابغها، من بينهم الفيلسوف والعالم.....

لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه


هذا المحتوى مقدم من بي بي سي عربي

إقرأ على الموقع الرسمي


المزيد من بي بي سي عربي

منذ 4 ساعات
منذ 15 دقيقة
منذ 3 ساعات
منذ 8 دقائق
منذ 4 ساعات
منذ ساعة
سي ان ان بالعربية منذ 4 ساعات
قناة روسيا اليوم منذ 9 ساعات
قناة روسيا اليوم منذ 4 ساعات
قناة روسيا اليوم منذ 9 ساعات
قناة CNBC عربية منذ 8 ساعات
سي ان ان بالعربية منذ 17 ساعة
سي ان ان بالعربية منذ 12 ساعة
سي ان ان بالعربية منذ 5 ساعات