سكان بلدة لبنانية جنوبية يرفضون إخلاءها رغم ذكرياتهم الأليمة من حرب 2006 صدر الصورة،
بعد أكثر من أسبوعين على حصار بلدة رميش الحدودية في جنوب لبنان، جرّاء القصف والقتال المتبادل بين إسرائيل وحزب الله، دخلت أخيراً، يوم الأحد، مساعدات غذائية ومياه للشرب وبعض الأدوية الأساسية.
وكان أهالي بلدات رميش وعين إبل ودبل - وهي ثلاث بلدات لبنانية حدودية يقطنها سكان مسيحيون - قد رفضوا مغادرتها، رغم إنذارات الإخلاء التي وجّهها الجيش الإسرائيلي.
وبحسب رئيس بلدية رميش، حنا العميل، بقي في البلدة 6066 شخصاً من مختلف الفئات العمرية.
وقال، إلى جانب شخصين آخرين سألناهما، إنّ قرار البقاء رغم المخاطر يعود إلى تمسّك الأهالي بأرضهم، على الرغم من تجربة سابقة عاشتها البلدة خلال حرب يوليو/تموز 2006، حين عانت عزلةً عن محيطها وانقطاعاً في السلع الأساسية من طعام ومياه وأدوية لنحو 17 يوماً قبل نهاية الحرب.
"جنوب نهر الليطاني" صدر الصورة،
منذ اندلاع جولة التصعيد الأخيرة بين إسرائيل وحزب الله في 2 مارس/آذار 2026، لم يبقَ سوى عدد قليل جداً من سكان القرى الواقعة جنوب نهر الليطاني في منازلهم، بسبب تصاعد خطر القصف واحتمال وصول الجيش الإسرائيلي إليها برّاً.
وقد يضطر هؤلاء إلى إخلاء منازلهم والمنطقة في أي وقت. وقد أخليت القرى المحاذية للحدود اللبنانية-الإسرائيلية بالكامل، مع تقدّم القوات الإسرائيلية في عددٍ منها واندلاع اشتباكات مع حزب الله، كما دمّر عدد كبير من منازلها.
وفي هذا السياق، وسّع المتحدث باسم الجيش الإسرائيلي للإعلام العربي، أفيخاي أدرعي، في الأيام الأخيرة، نطاق تحذيرات الإخلاء؛ فبعدما كانت تشمل القرى الواقعة جنوب نهر الليطاني، امتدّت أيضاً إلى المناطق الواقعة جنوب نهر الزهراني، الذي يقع إلى الشمال من الليطاني، ما يعني توسيع النطاق الجغرافي للمناطق المستهدفة.
وتقول إسرائيل إنّ معظم قدرات حزب الله وأسلحته تتمركز في مناطق جنوب نهر الليطاني.
تخطى الأكثر قراءة وواصل القراءة
الأكثر قراءة نهاية
وتعدّ معظم القرى الحدودية في الجنوب ذات غالبية شيعية، رغم أنّ بعض القرى مختلطة السكان، إذ يقطنها شيعة ومسيحيون، فيما توجد قرى قليلة محاذية للحدود ذات غالبية مسيحية، إلى جانب حضور درزي في القرى الحدودية الشرقية.
في المقابل، يصرّ سكان القرى الحدودية المسيحية، مثل رميش وعين إبل ودبل، على عدم وجود أي حضور لحزب الله داخل قراهم، وبالتالي يرفضون مغادرتها خشية فقدان أراضيهم أو تدمير منازلهم.
وبحسب المعطيات المتوفرة حول سير العملية البرية الإسرائيلية في جنوب لبنان، والتي تقول إسرائيل إنها تهدف إلى "تدمير القدرات العسكرية لحزب الله" وضمان أمن سكان شمال إسرائيل، فإنّ الجيش الإسرائيلي لا يتقدّم إلى جميع القرى تباعاً، بل يلتف حول بعضها من دون دخولها، ومنها رميش.
ويخشى كثير من اللبنانيين أن تتحوّل هذه "العملية الإسرائيلية" إلى احتلال طويل الأمد، إذ قال وزير الدفاع الإسرائيلي، يسرائيل كاتس، مراراً منذ بدء جولة الحرب الأخيرة، إنّ قواته "ستبقي على السيطرة الأمنية الإسرائيلية في منطقة الليطاني بأكملها".
ما ثمن قرار البقاء؟ تخطى يستحق الانتباه وواصل القراءة قناتنا الرسمية على واتساب
تابعوا التغطية الشاملة من بي بي سي نيوز عربي
يستحق الانتباه نهاية
تعدّ رميش أكبر القرى المسيحية الحدودية وأقربها إلى الحدود، إذ لا تفصلها عنها سوى مسافة تقلّ عن كيلومتر واحد.
ويؤكد رئيس بلديتها، حنا العميل، في حديث مع بي بي سي عربي، أن قرار البقاء كان "قراراً نهائياً وحاسماً اتّخذ منذ اليوم الأول لاندلاع الحرب، كقرار جماعي".
وأوضح أنّ رميش "هي الأرض التي ولدنا فيها وورثناها عن آبائنا وأجدادنا، الذين رووها بعرق جبينهم ودفعوا الدم في مراحل مختلفة ثمناً للدفاع عنها". وأضاف: "استشهد كثير من أبناء رميش على مرّ التاريخ، خلال الأزمات والحروب التي شهدتها المنطقة عبر عقود طويلة".
وتابع: "لم يترك أهل رميش أرضهم يوماً، ولذلك لن نتركها اليوم. هذه أمانة سنسلّمها لأبنائنا، مهما كانت الأثمان والتضحيات".
من جهته، قال داني كلاكش، وهو أحد أبناء رميش، إنّ نسبة من نزحوا من البلدة لا تتجاوز 5 في المئة من إجمالي سكانها. وأضاف لبي بي سي عربي: "ربما هي لعنة الجغرافيا التي تضعنا أمام خيارات صعبة إلى هذا الحد. لا يمكننا العيش بين خيارين: أن نحيا ونموت في أرضنا، أو أن نحيا ونموت نازحين أو مشرّدين".
وأفادت وسائل إعلام محلية بأن مختار البلدة تلقّى اتصالاً هاتفياً، نشر تسجيل له، من شخص عرّف عن نفسه بأنه من الجيش الإسرائيلي. وقال إن الجيش يعتبر سكان رميش "أصدقاءً وأهلاً"، وإنه "لا يريد إجلاءهم من القرية"، مضيفاً أنه يمكنهم البقاء فيها بشرط إبعاد حزب الله عنها، وإلا سيضطر إلى شنّ غارات وإجبار السكان على الإخلاء.
كما حذّر المتصل أهالي رميش من أنهم سيتحمّلون مسؤولية أي تواصل مع النازحين من القرى المجاورة ذات الغالبية الشيعية.
وفي هذا السياق، اضطرّ نازحون شيعة من القرى المجاورة إلى الانتقال إلى مناطق أخرى شمال نهر الليطاني، بمواكبة من الجيش اللبناني، بحسب ما أوردته وسائل إعلام لبنانية.
صدر الصورة،
كان الجيش اللبناني قد انسحب من رميش وبلدتي عين إبل ودبل في 31 مارس/آذار 2026، عقب تقدّم القوات الإسرائيلية في محيطها.
وقالت قيادة الجيش اللبناني، في بيان صدر في اليوم التالي، إنه "نتيجة تصعيد العدوان الإسرائيلي على لبنان، ولا سيما في المناطق التي تشهد توغلاً معادياً في محيط البلدات الحدودية الجنوبية، بما يؤدي إلى محاصرة وحدات الجيش المنتشرة وعزلها وقطع خطوط إمدادها، نفّذ الجيش عملية إعادة تموضع وانتشار شملت عدداً من هذه الوحدات".
وكان الجيش الإسرائيلي قد شنّ غارات على جسور وطرق رئيسية تربط جنوب نهر الليطاني بشماله، ما قد يؤدي إلى فصل منطقة الجنوب عن جبل لبنان وبيروت وسائر المناطق بشكل شبه كامل.
وبذلك، أصبحت مناطق جنوب نهر الليطاني معزولة إلى حدّ كبير، فيما باتت القرى الحدودية التي تشهد عمليات عسكرية شبه معزولة تماماً عن محيطها، سواء نتيجة استهداف الطرقات أو مخاطر التنقّل منها وإليها.
ويقول العميل إنه يتفهّم خطوة الجيش اللبناني بالانسحاب من البلدة، أو "إعادة التموضع" كما وصفها. وأضاف، بنبرة تشير إلى قدر من الارتياح، أنّ "مخفر قوى الأمن الداخلي لا يزال موجوداً في البلدة، وبالتالي لا تزال الشرعية قائمة".
لكنه أوضح أنّ "إدخال السلع الغذائية والأدوية والمحروقات كان يتمّ بمواكبة الجيش اللبناني"، مضيفاً أنه بعد انسحابه: "لم يعد بإمكاننا الحصول على أي شيء".
ويؤكد أنّ "الخوف هو أن تطول الحرب وألا نعرف ماذا سيكون مصيرنا".
وكانت البلدة قد حصلت على مساعدات وحصص غذائية وأدوية من مؤسسات الدولة اللبنانية، وجمعيات غير ربحية، دينية وغير دينية، ومنظمات الأمم المتحدة، قبل حصارها لأكثر من أسبوعين. ويشير العميل إلى أنّ "المخزون الذي تمّ تأمينه لم يكن يكفي سوى لنحو 12 يوماً فقط".
ورغم دخول بعض المساعدات، يوم الأحد، عبر الصليب الأحمر الدولي والصليب الأحمر اللبناني إلى رميش وعين إبل، وإجلاء عدد من المرضى الذين كانت حالاتهم حرجة، فإنّ الخطر لا يزال قائماً في حال استمرار الحرب لفترة أطول.
"ليس هناك مستشفى" أما الخطر الثاني، الذي لا يقلّ أهمية عن الغذاء والماء، فيكمن في غياب مستشفى داخل رميش.
ويقول العميل إنّ في البلدة مستوصفات يمكنها معالجة الحالات العادية، إلا أنّ مخزون الأدوية والمستلزمات الطبية فيها "محدود". ويؤكد أنّه في حال "أصيب أحدهم أو جرح أو تعرّض لعارض قلبي، فسيكون عرضةً لخطر الموت".
ويشير أحد سكان البلدة، داني كلاكش، إلى غياب الإمكانات اللازمة لإجراء فحوصات طبية أو تحاليل مخبرية لمتابعة الوضع الصحي للمرضى.
ويضيف أنّ من بين التحديات أيضاً تشتّت العائلات، إذ يواصل بعض أفرادها دراستهم الجامعية أو أعمالهم في بيروت، ما يحول دون عودتهم أو ترك التزاماتهم.
ويمضي كلاكش أبعد من ذلك، قائلاً إنّ "الخوف الأكبر في هذه الحرب، وهو يتجاوز الخسائر المادية، بل وحتى الخسائر في الأرواح، هو الخوف على المصير والوجود". ويضيف: "نحن لا نعلم إلى أين نتّجه".
هل التحرك مسموح؟ صدر الصورة،
في 28 مارس/آذار 2026، أفادت الوكالة الوطنية اللبنانية للإعلام بمقتل شخصين "إثر إطلاق الجيش الإسرائيلي النار بكثافة على سيارة مدنية في محلة العوينات بين رميش ودبل، يقودها مواطن يرافقه ابنه". والقتيلان هما جورج سعيد وابنه إلياس.
وبحسب ما أفاد به سكان في دبل ورميش، فإنّ الأب وابنه توجّها إلى رميش للتبضّع، لوجود متاجر أكبر فيها، قبل أن يفاجآ، في طريق العودة، بدورية إسرائيلية، "ليحدث ما حدث".
وسأل مراسل بي بي سي في القدس الجيش الإسرائيلي عن الحادثة، فردّ المتحدث باسمه بأن التحقيقات الأولية "تشير إلى أن القوات تحرّكت استجابةً لبلاغ استخباراتي دقيق حول تهديد مباشر، تضمن احتمال التخطيط لهجوم بزيّ مدنيين".
وأضاف أنه "خلال العملية، رُصدت مركبات تقلّ مشتبهين تقترب من القوات بسرعة كبيرة، ما أثار شكوكاً جدية بوجود خطر وشيك. رفعت القوات حالة التأهّب، وحاولت إبعاد المشتبه بهم، وفي الوقت نفسه بُذلت جهود لتنسيق وتنبيه سكان دبل لمنع وصول أفراد غير متورطين إلى المنطقة".
وتابع: "بعد أن واصل المشتبه بهم الاقتراب دون الاستجابة لمحاولات صدّهم، أُطلقت النيران للقضاء على التهديد وفقاً لتقييم الوضع الميداني"، مضيفاً أنّ الجيش الإسرائيلي "يجري تحقيقاً معمقاً وشاملاً في الحادث".
وفي حوادث أخرى مرتبطة بالقرى المسيحية التي فضّل سكانها عدم الرحيل، ذكرت الوكالة.....
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه
هذا المحتوى مقدم من بي بي سي عربي
