لماذا يتشيع المغاربة؟ ج:1

هل يتعلم المغاربة دينهم بطريقة علمية تشكل مناعة ضد التشيع الدخيل؟

هل يشكل الفراغ التأطيري داخل المؤسسات الدينية الرسمية عاملا مساعدا على هذا التحول الديني؟

كيف يؤثر البعد العاطفي المرتبط بـحب آل البيت الفطري، في جذب بعض المغاربة نحو التشيع؟

هل توجد فروقات بين التشيع الثقافي، السياسي، و العقدي في الحالة المغربية؟

ما طبيعة الشبكات الدعوية، الثقافية، و الطلابية التي تسهم في نشر التشيع داخل المغرب؟

أي سياقات اجتماعيّة و ثقافيّة ساهمت في بلورة التشيّع داخل هذه المملكة السنية المالكية؟

تساؤلات مشروعة تدعونا إلى الإبداع و التغيير في التحليل و التفسير، انطلاقا من زوايا نظر مختلفة، و منطلقات رؤية مغايرة.

يثير حضور التشيع داخل مجتمع مغربي تشكل تاريخيا على أساس الانتماء إلى الإسلام السني المالكي، تساؤلات عميقة تتجاوز التفسير الديني المباشر، لتلامس تحولات سوسيولوجية وفكرية أوسع. فالمغرب الذي حافظ لقرون عديدة على نوع من الانسجام الديني المدعوم بالمؤسسة الدينية الرسمية، يعرف في العقود الأخيرة بروز أنماط تدين جديدة، من بينها التشيع. وهو ما يستدعي قراءة متعددة الأبعاد لا تختزل الظاهرة في بعدها العقدي فقط.

قراءة سنحاول فيها الغوص أكثر في الأسباب الكامنة وراء هذا الانتشار الكبير للتشيع في المغرب.، عبر العديد من المحاور:

من الناحية السوسيولوجية، يمكن ربط هذا التحول بتراجع أنماط الضبط التقليدي للهوية الدينية، خاصة مع ذوبان سلطة الأسرة والمؤسسات الوسيطة، و تهميش دور المسجد، و المدرسة، وصعود الفردانية الدينية التي تمنح الأفراد حرية أكبر في اختيار انتماءاتهم الروحية.

كما أن جزءا مهما من الشباب المغربي يعيش حالة قلق وجودي وهوياتي، في ظل تحولات اجتماعية واقتصادية متسارعة، ما يجعله أكثر قابلية للبحث عن بدائل دينية تقدم له معنى أكثر تماسكا أو عدالة رمزية.

في هذا السياق، يجد بعضهم في التشيع سردية مختلفة، خاصة من خلال التركيز على المظلومية التاريخية، والرمزية المرتبطة بشخصيات مثل الحسين بن علي، رضي الله عنه، والتي تقدم بوصفها نموذجا للثورة ضد الظلم، وهو ما قد يتقاطع مع إحساس بعض الشباب بالتهميش أو الاغتراب.

و هذا كان عنصر جذب كبير أيضا للأمازيغ، الذين استهدفهم المشروع الإيراني بقوة و نجح في ذلك، من خلال استغلال حبهم الفطري لآل البيت، و اللعب بورقة المظلومية و تعرضهم للإقصاء و التهميش، مما ولد لهم فكرة النقص الداخلي و الرغبة في الانتقام، من خلال البحث عما قدم لهم على أنه مشروع تحرر، ونصرة و ثورة ضد الظلم و التهميش و الاحتقار.

أما من الناحية الفكرية الثقافية، فثمة جاذبية خاصة لبعض الإنتاجات الشيعية التي خطط لها أن تكون كمشروع هجومي تتسم بطابع جدلي نقدي، مقارنة بغياب أو تغييب أي مشروع سني ثقافي مقاوم. هذا لا يعني بالضرورة تفوقا معرفيا، أو قيميا فيما يتعلق بالحقيقة العلمية، بقدر ما يعكس أزمة في فهم الخطاب الديني الأصيل، حيث يشعر بعض المتلقين أن الخطاب الشيعي أكثر قدرة على إثارة الأسئلة ومخاطبة القضايا السياسية والتاريخية بجرأة أكبر. كما أن هذا التهميش و عدم الاهتمام به أحدث فراغا، ملأه مهندسو المشروع الإيراني، بتقديم شخصيات فكرية شيعية معاصرة حاضرة دوما في المشهد الديني الثقافي، ذات خطاب سياسي واضح و جزيء (ظاهرا) يعزز هذا الانطباع، خاصة في سياق التوترات الإقليمية و الدولية الراهنة.

غير أن اختزال الظاهرة في بعدها الديني يغفل عنصرا حاسما يتمثل في التداخل مع الجيوسياسة، خصوصًا دور إيران في توظيف البعد المذهبي(الديني) ضمن استراتيجيتها الإقليمية. فمنذ الثورة الإيرانية، سعت طهران إلى بناء شبكة نفوذ ناعمة في العالم الإسلامي، تحت إشراف مباشر من الحرس الثوري، مستفيدة من أدوات ثقافية ودينية وإعلامية. وفي هذا الإطار، لا يمكن فصل بعض أشكال التشيع في المغرب عن هذا الامتداد، سواء عبر الدعم غير المباشر لمراكز ثقافية، أو عبر إنتاج إعلامي موجه يعيد صياغة الوعي الديني ضمن رؤية سياسية أوسع. ومع ذلك، ينبغي الحذر من التعميم، إذ لا يمكن اعتبار كل من يعتنق التشيع في المغرب فاعلا ضمن مشروع جيوسياسي، فثمة حالات فردية نابعة من قناعات شخصية بحتة غير أنها منعزلة و لا تأثير لها في الملف.

في هذا التحول، تلعب الوسائط الرقمية دورا حاسما في إعادة تشكيل الانتماءات الدينية، حيث لم يعد التلقي الديني حكرا على المساجد أو المؤسسات الرسمية، بل أصبح يتم عبر منصات مفتوحة مثل التيك توك، اليوتيوب، فيسبوك وتيليغرام المليئة بالحسابات الشيعية الداخلية و الخارجية، و التي تستهدف شبابنا، ببث الشبهات، و نشر التشكيك، عبر تقديم محتوى ديني متنوع، غالبا ما يكون مشحونا بالعاطفة و الجدل، ويقدم بأساليب إقناعية مختلفة.

كما أن خوارزميات هذه المنصات تعزز ما يعرف بـ(فقاعات الترشيح)، حيث يتعرض المستخدم بشكل متكرر لنفس النوع من المحتوى، ما يعمق قناعاته ويقلل من انفتاحه على الرأي الآخر.

إضافة إلى ذلك، تساهم هذه الوسائط في تفكيك السلطة المعرفية التقليدية، حيث يصبح (اليوتيوبر) أو (الداعية الرقمي) مصدرا بديلا للمعرفة الدينية، دون خضوعه بالضرورة لضوابط علمية أو مؤسساتية. وهذا يفتح المجال أمام انتشار قراءات انتقائية أو مؤدلجة للتاريخ الإسلامي، تُستخدم أحيانًا لإعادة بناء الهوية المذهبية على أسس صراعية تصادمية.

في ضوء ما سبق، يمكن القول إن انتشار التشيع في المغرب ليس ظاهرة دينية خالصة، ولا مجرد امتداد مباشر لتأثيرات خارجية، بل هو نتاج تفاعل معقد بين عوامل داخلية وخارجية، سوسيولوجية وفكرية وسياسية. إن فهم هذه الظاهرة يتطلب تجاوز المقاربات التبسيطية، والانخراط في تحليل نقدي يأخذ بعين الاعتبار تحولات المجتمع المغربي، وأزمة فهم و تبليغ الخطاب الديني، ودور الفضاء الرقمي في إعادة تشكيل الوعي والانتماء.


هذا المحتوى مقدم من موقع بالواضح

إقرأ على الموقع الرسمي


المزيد من موقع بالواضح

منذ ساعة
منذ ساعتين
منذ 5 ساعات
هسبريس منذ 6 ساعات
هسبريس منذ 3 ساعات
جريدة كفى منذ ساعة
هسبريس منذ 7 ساعات
هسبريس منذ 12 ساعة
هسبريس منذ ساعة
أشطاري 24 منذ 7 ساعات
هسبريس منذ 5 ساعات