حين يصنع الأمن قادته

ليست أهمية الدورة الثالثة في مجال بناء القيادة والتدبير، التي احتضنها المعهد العالي للعلوم الأمنية بإفران بين 6 و10 أبريل 2026، في عدد المستفيدين منها فقط، ولا في كونها دورة جديدة تضاف إلى برنامج تكويني آخذ في التوسع، بل في ما تكشفه عن مرحلة أعمق دخلتها المؤسسة الأمنية المغربية.

إنها مرحلة لم يعد فيها الرهان مقتصرا على تكوين الشرطي وتأهيله المهني، بل امتد إلى بناء القيادة الأمنية بوصفها رأسمالا بشريا استراتيجيا للمؤسسة. فحين يستفيد 29 مسؤولا أمنيا من المستوى الأول والثاني من مناصب المسؤولية من تكوينات متقدمة في التدبير والقيادة، ومعالجة الأزمات، والتواصل المؤسساتي، وقيادة الأداء، مع برمجة دورات مماثلة خلال شهري ماي ويونيو 2026، فإن الأمر يتجاوز بكثير منطق الخبر العابر إلى منطق التحول المؤسسي العميق.

هذا التحول ينبغي فهمه بحذر ودقة. فهو لا يعني أبدا أن التكوين الأمني التقليدي فقد قيمته، ولا أن المدارس والأكاديميات الشرطية التي تؤهل رجال الأمن للمهام الميدانية والإدارية أصبحت أقل أهمية. على العكس من ذلك تماما، فالتكوين الأساسي والتقليدي يظل هو القاعدة التي تقوم عليها المهنية والانضباط والجاهزية والالتزام بالقانون والمساطر. غير أن المؤسسة الأمنية، مثلها مثل كل المؤسسات الحديثة التي تتعقد وظائفها وتتوسع رهاناتها، لا يمكن أن تكتفي بالقاعدة وحدها.

وحين تبلغ هذه الدرجة من النضج، يصبح لزاما عليها أن تضيف إلى وظيفة التكوين وظيفة أخرى أعلى، هي صناعة القادة القادرين على توجيه الأداء، وتدبير الموارد، واحتواء الأزمات، وقراءة التحولات، وربط القرار الأمني بالنجاعة والتواصل والثقة العامة. وما يجري اليوم في إفران يعكس هذا الانتقال الطبيعي من التأهيل الوظيفي إلى التأهيل القيادي، لا من نموذج متجاوز إلى نموذج بديل.

ولا يمكن فصل هذا المسار عن المرحلة التي افتتحها تعيين الملك محمد السادس لعبد اللطيف حموشي على رأس المديرية العامة للأمن الوطني سنة 2015، وهي مرحلة اتسمت بإصلاحات متدرجة ولكن ملموسة داخل المؤسسة. فقد شملت تحديث البنيات والخدمات الشرطية، وتوسيع العرض الأمني وتقريبه من المواطنين، والرفع من برامج التكوين الأساسي والمستمر، والانتقال من منطق التسيير الإداري الصرف إلى منطق الحكامة والنجاعة وقياس الأثر.

وتظهر الحصائل السنوية المتعاقبة أن هذا التوجه لم يبق في حدود الخطاب، بل تُرجم إلى مشاريع وبنيات ومؤشرات، من إحداث وتحديث المرافق الأمنية، إلى دعم مؤسسات التكوين، إلى الاستثمار المتزايد في تطوير الرأسمال البشري للمؤسسة.

ومن هذه الزاوية، لا يبدو دور حموشي مجرد مواكبة تنفيذية لتوجه عام، بل مساهمة مباشرة في ترسيخ هذا المنحى الإصلاحي داخل المؤسسة الأمنية نفسها. ففي عهده تسارعت دينامية تحديث البنيات الشرطية، وتعززت لامركزية التكوين، وجرى افتتاح المعهد العالي للعلوم الأمنية بإفران مع الانفتاح على شراكات أكاديمية متخصصة، قبل الانتقال إلى تنظيم دورات متتالية في بناء القيادة والتدبير.

لذلك فإن ما يبرز اليوم في إفران لا يمثل فقط حلقة جديدة في التكوين، بل يُعد أحد أوضح المؤشرات على أن الإصلاحات التي قادها حموشي داخل الأمن الوطني ظلت وفية للرؤية الملكية في تحديث المرفق الشرطي، مع إعطاء مكانة متقدمة للعنصر البشري بوصفه الرافعة الأكثر حسما في تطوير المؤسسة ورفع مردوديتها.

وعليه، فإن الحديث عن المعهد العالي للعلوم الأمنية لا ينبغي أن يظل محصورا في وصفه بناية جديدة أو مرفقا إضافيا داخل الخريطة التكوينية للأمن الوطني. افتتاح هذا المعهد في 5 دجنبر 2025 قُدم باعتباره خطوة تروم تطوير برامج التكوين، وملاءمة الكفاءات مع التحديات الأمنية الجديدة، والانفتاح على التعاون العلمي والمؤسساتي. كما واكب افتتاحه توقيع مذكرة شراكة مع جامعة نايف العربية للعلوم الأمنية، بما يؤكد أن الرهان لم يكن منذ البداية هو توسيع العرض التكويني فقط، بل بناء فضاء مؤسساتي قادر على إنتاج معرفة أمنية أكثر تطورا، وعلى ربط التكوين الأمني بالبحث والشراكة والانفتاح العربي والدولي.

ولعل ما يعزز هذا الفهم أن المعهد لم يُوظف فقط لاحتضان دورات داخلية لفائدة المسؤولين الأمنيين، بل أصبح أيضا منصة لتلاقي الخبرة الأمنية بالمعرفة الأكاديمية والخبرة الدولية. ففي فبراير 2026 احتضن ندوة دولية حول مكافحة سرقة وتهريب المركبات، نُظمت بتنسيق مع مؤسسة “كلوبال تراندس”، بما يكشف أن الرؤية المؤطرة له لم تُبن على منطق الانغلاق المهني، بل على تصور يعتبر الأمن مجالا متقاطعا مع القانون والتدبير والتكنولوجيا والعلاقات الدولية.

وحين تضاف إلى ذلك مساهمة خبير أكاديمي من المدرسة العليا للتجارة والتدبير ضمن الدورة الأخيرة الخاصة ببناء القيادة والتدبير، يصبح واضحا أن.....

لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه


هذا المحتوى مقدم من هسبريس

إقرأ على الموقع الرسمي


المزيد من هسبريس

منذ 3 ساعات
منذ 5 ساعات
منذ ساعة
منذ 10 ساعات
منذ 7 ساعات
منذ 3 ساعات
موقع بالواضح منذ ساعتين
بلادنا 24 منذ 8 ساعات
هسبريس منذ 12 ساعة
جريدة تيليغراف المغربية منذ 5 ساعات
Le12.ma منذ ساعة
جريدة كفى منذ ساعة
هسبريس منذ 8 ساعات
هسبريس منذ 6 ساعات