د. جهاد يونس القديمات
في السادس عشر من نيسان من كل عام، لا يقف الأردنيون أمام العلم الأردني بوصفه مجرد رمز يرفع في السماء أو شعار يعلق في الساحات، بل بوصفه خلاصة معنى أعمق بكثير يتجاوز الشكل إلى الجوهر، وكأنه اختصار مكثف لتاريخ طويل من الجهد والتحدي والصبر والبناء، لحكاية وطن اسمه الأردن تشكل عبر تراكم التجارب وتعب المراحل وتعاقب الأجيال، التي لم تكن تبحث عن رفاهية الانتصار بقدر ما كانت تصنع معنى البقاء والاستمرار في اقليم مضطرب لا تمنح الاستقرار بسهولة.
السؤال الذي يتسلسل الى أذهاننا بهدوء لكنه بثقل كبير هو: هل أصبح هذا اليوم مجرد مناسبة نمر بها كما نمر بأي احتفال سنوي جميل تتكرر مشاهده دون أن يترك فينا أثرا ممتدا؟، أم أنه ما يزال يحمل القدرة على أن يكون لحظة وعي حقيقية نعيد فيها النظر في علاقتنا مع الوطن ومع أنفسنا ومع فكرة الانتماء ذاتها، لأن الفرق بين الاثنين ليس بسيطا، بل هو الفرق بين رمز يزين المشهد وسلوك يصنع الواقع ويغيره ببطء لكن بثبات.
لقد اعتدنا ربما بسبب التكرار الذي يخفف أثر المعنى مع الزمن، أن نعيش هذا اليوم في إطار احتفالي تقليدي معروف التفاصيل، أعلام ترفع في الشوارع والساحات وأناشيد وطنية تتكرر وصور تذكارية، ثم ينتهي كل شيء بانتهاء اليوم وكأننا أغلقنا مشهدا جميلا دون أن نسمح له بأن يمتد إلى ما بعد اللحظة، بينما الحقيقة التي لا يمكن تجاهلها أن العالم من حولنا لم يعد يقيس قيمة الدول بقدرتها على الاحتفال برموزها، بل بقدرتها على تحويل هذه الرموز إلى سلوك يومي وإنتاج وتعليم واقتصاد، وإلى حضور فعلي في حياة الناس.
يصبح من الضروري أن نعيد تعريف هذا اليوم بطريقة مختلفة تماما، لا بوصفه مناسبة للاحتفال فقط بل بوصفه اختبارا سنويا لفهمنا الحقيقي لمعنى الانتماء، لأن قيمة العلم لا تتجسد في ارتفاعه على السارية مهما كان مهيبا بل تتجسد في ارتفاع السلوك تحته، في طريقة عمل الإنسان والتزامه وصدقه واحترامه للوقت، وفي قدرته على أن يرى في التفاصيل الصغيرة جزءا من صورة كبيرة اسمها الوطن.
إن الاحتفال الحقيقي بيوم العلم لا يحتاج إلى كثافة شعارات بقدر ما يحتاج إلى تراكم أفعال، حيث تتحول المنظمات إلى مصادر إنتاج حقيقي لا إلى هياكل إدارية جامدة، وتتحول الجامعات إلى بيئات تفكير وإبداع لا إلى أماكن لتكرار المعرفة فقط، ويتحول الأفراد إلى شركاء فعليين في بناء المعنى العام، بحيث يشعر كل شخص أن ما يفعله في يومه العادي ليس منفصلا عن صورة الوطن بل هو جزء مباشر منها، مهما بدا بسيطا أو غير مرئي.
في الحياة اليومية قد تكون أبسط الأفعال هي الأكثر قدرة على التعبير عن هذا.....
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه
هذا المحتوى مقدم من صحيفة الغد الأردنية
