الأردن آخر الواحات في زمن الصراعات. مقال د.عبدالله سرور الزعبي

ليس الشرق الأوسط مجرد جغرافيا تُقرأ على الخرائط، بل هو نصٌّ مفتوح يتجاوز المكان ليقترب من حدود المعنى. إنه فضاء تتقاطع فيه السياسة مع الفلسفة، والقوة مع الوعي، بحيث تتحول الدول من كيانات صلبة إلى رموز كثيفة الدلالة، تختصر تصورات متباينة عن العالم، كيف يُدار؟ ومن يملك حق تشكيله؟ وأين تنتهي حدود النفوذ وتبدأ أخرى؟

في هذا الفضاء، لا تُفهم الأحداث باعتبارها نتائج مباشرة للصراع، بل بوصفها انعكاسًا لطريقة إدراك الفاعلين لهذا الصراع. فالمعركة ليست فقط على الأرض أو الموارد، بل على "تعريف الواقع" نفسه، من يملك تفسيره؟ ومن يفرض معاييره؟ وكيف تُبنى شرعية القوة داخل نظام غير مستقر بطبيعته؟ هنا، لا تكون الوقائع سابقة على تفسيرها، بل متداخلة معه؛ إذ يُعاد إنتاج الواقع عبر اللغة التي تصفه، والسردية التي تمنحه معناه.

هكذا، يتحول الشرق الأوسط إلى ساحة تتداخل فيها الجغرافيا مع الإدراك، حيث لا تتحرك الدول ككيانات سياسية فقط، بل كنماذج تفكير إستراتيجي. لم تعد الجغرافيا الصلبة وحدها هي المحدد، بل ظهرت جغرافيا أكثر سيولة، تُبنى على النفوذ والاقتصاد والتكنولوجيا والمعلومات. وفي هذا التحول، لم يعد الصراع على "المكان" بقدر ما أصبح صراعًا على "تأويل المكان"، على من يملك سلطة القول، ومن يحتكر إنتاج المعنى.

من هذه الزاوية، لا يعود السؤال، من يملك القوة؟ بل، كيف تُفهم القوة أصلًا؟ وكيف يُعاد إنتاجها في فضاء لا يعرف الحسم النهائي، بل يعيش على إيقاع توازن قلق، حيث كل استقرار مؤقت، وكل معادلة قابلة لإعادة التعريف؟ القوة هنا ليست معطى ثابتًا، بل عملية مستمرة من إعادة البناء، تتشكل بقدر ما تُفهم، وتُمارس بقدر ما تُروى.

ولفهم هذا المشهد، تغدو الرمزية أداة تحليلية لا غنى عنها، لا كزخرفة لغوية، بل كمدخل معرفي يكشف البنية العميقة للنظام. فالنسر، والدب، والتنين، والصقر، والقط، والذئب، والجمل، والحدأة، والواحة، ليست استعارات، بل أنماط مختلفة من "العقل الإستراتيجي"، كل منها يُنتج القوة وفق منطقه الخاص، ويُدير الزمن بطريقة مغايرة.

في قمة الهرم، يظهر النسر الأميركي كنموذج "القوة الفوقية"، لا يكتفي بامتلاك أدوات الهيمنة، بل يسعى إلى تعريف قواعد اللعبة نفسها (ما هو الخطر؟ من هو العدو؟ ما هي الحدود؟ وأين تبدأ الحرب وأين تنتهي؟ وكيف تُدار الأزمات؟ إنه يعيد صياغة معنى الصراع وفق منطقٍ يقترب من رؤية ميكيافيلية). لكنه يواجه مفارقة بنيوية، فكلما ارتفع واتسعت قدرته على التدخل، ازداد انكشافه، وتحولت السيطرة إلى عبء، والنفوذ إلى استنزاف. إن العلو يمنحه الرؤية، لكنه لا يضمن له التحكم في التفاصيل على الارض.

إلى جانبه، يقف الدب الروسي كقوة "تثبيت إستراتيجي"، يتحرك بمنطق الأرض لا السماء (فلسفة أنطولوجيا الأرض)، يسعى إلى منع الانهيار النظام، أو إعادة تشكيله دون حضوره. دبًا مضاداً للسيولة، ويعرف حدوده ويُحسن التمسك بها.

بينما يمثل التنين الصيني نموذج "التراكم الهادئ"، ينفث نفوذه عبر الزمن من خلال الاقتصاد، التجارة، التكنولوجيا، وسلاسل الإمداد (الزمن ذاته أداة إستراتيجية)؛ فالسيطرة ليست لحظة حسم، بل نتيجة مسار طويل من التغلغل، ليصبح نتيجة حتمية لمسارٍ التاريخ.

أما أوروبا، فتظهر كـ"عنقاء سياسية"، خرجت من حروب مدمرة، وتبني نفسها على القانون والقيم. لكنها تعيش توترًا دائمًا بين القيم والقوة، بين الأخلاق والواقعية، فتسعى إلى الترميم أكثر من الحسم، وإلى الاحتواء أكثر من المواجهة، لكنها تجد نفسها مضطرة للعودة إلى منطق القوة في عالم لم يعد يكتفي بالقانون. بلغة الفلسفة السياسية، فهي تعيش توترًا بين "الأخلاق الكانطية" و"الواقعية الهوبزية"، بين كونها مشروعًا حضاريًا وكونها فاعلًا سياسيًا مضطرًا.

إذا كانت القوى الكبرى تتشارك في رؤية الشرق الأوسط كحيّز لإدارة التوازنات لا كفاعلٍ مستقل. فإن القوى الإقليمية تتحرك، بوصفها فواعل، لإعادة تعريف قواعد اللعبة من داخلها.

هنا، يظهر القط الشيرازي (قط إستراتيجي)، قوة تعمل في الظلال، ويتقن التسلل داخل الفراغات السياسية والأمنية، وبناء شبكات تأثير تتجذر داخل النسيج (سياسة الصبر الإستراتيجي، وإستراتيجية اللايقين). مستفيدًا من رفاهية الغموض، والإنكار، والعمل في المناطق الرمادية، لا يسعى لحسم خرائط المعركة، بل لإرهاق الخصم وتفكيك تماسكه تدريجيًا. قط له القدرة على تحوّيل الضعف إلى أداة نفوذ، حتى يغدو حضوره، عاملًا حاسمًا في تشكيل المشهد.

ويبرز الذئب الأناضولي، كفاعل مرن يتحرك بين التوازنات، ويتقن إعادة التموضع واستثمار اللحظة، دون أن يرتبط بخريطة ثابتة. إنه فاعل "براغماتي راديكالي"، تتداخل حساباته مع النسر والدب والتنين، والعنقاء، ويرى العالم كسلسلة من اللحظات الممكنة لا كخريطة ثابتة.

أما الحدأة الإسرائيلية، فتمثل عقلية إستراتيجية قائمة على الاختزال الزمني (الزمن ليس حليفًا، بل تهديدًا)؛ حيث تُدار القوة كضربات استباقية وسريعة. الأمن لديها، حالة قلق دائمة. تتصرف في منطق هنتنغتون، لا يتعلق الأمر بصدام حضارات بقدر ما يتعلق بتداخل صراعات داخل حضارات غير مكتملة الاستقرار، حيث يصبح الخطر جزءًا من تعريف الذات. فالأمن هنا ليس حالة تُنجز، بل مشروع مستمر يُعاد إنتاجه كل يوم.

أما الصقر الباكستاني، فهو فاعل يقرأ التهديدات قبل تشكلها، ويجمع بين القدرة والقلق، بين الردع والهشاشة، في موقع يفرض عليه قراءة المشهد لا الاندماج الكامل فيه. هناك، حيث يمرّ ظلّ التنين، وتلوح في الأفق حسابات النسر، وتتشابك حساسيات الجوار، تتحول باكستان إلى رمزٍ مزدوج، عقيدة تحرسها القوة، ودولة تعرف أن البقاء في عالم الرموز لا يكون.....

لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه


هذا المحتوى مقدم من صحيفة الغد الأردنية

إقرأ على الموقع الرسمي


المزيد من صحيفة الغد الأردنية

منذ ساعتين
منذ ساعة
منذ ساعتين
منذ 9 ساعات
منذ 11 ساعة
منذ ساعة
موقع الوكيل الإخباري منذ ساعة
قناة المملكة منذ 15 ساعة
وكالة عمون الإخبارية منذ 13 ساعة
خبرني منذ 12 ساعة
صحيفة الرأي الأردنية منذ 3 ساعات
قناة المملكة منذ ساعة
موقع الوكيل الإخباري منذ 17 ساعة
خبرني منذ 8 ساعات