بغداد / عراق اوبزيرفر
يعود ملف التجنيد الإلزامي في العراق إلى واجهة الجدل السياسي والتشريعي مجدداً، مع طرح مشروع قانون خدمة العلم بوصفه خياراً لإعادة بناء الانضباط المجتمعي وتعزيز قدرات المؤسسة العسكرية. وبينما تتبنى جهات رسمية هذا التوجه باعتباره ضرورة أمنية واجتماعية، تتصاعد في المقابل تحذيرات قانونية من ثغرات دستورية وإجرائية قد تعيق تطبيقه أو تفتح الباب لإشكالات أوسع. وفي قلب هذا الجدل، تتقاطع رؤى المختصين مع رهانات السلطة، ليبقى السؤال مفتوحاً: هل يمثل القانون خطوة نحو بناء الدولة، أم بداية لأزمة تشريعية جديدة؟
وفي هذا الصدد، طرح الباحث القانوني علي التميمي جملة من الملاحظات التفصيلية على مشروع قانون خدمة العلم ، معتبراً أن الصيغة الحالية بحاجة إلى مراجعة جوهرية قبل المضي في تشريعها، لما تتضمنه من إشكالات دستورية وإجرائية.
وأشار التميمي في حديث لـ عراق اوبزيرفر ، إلى أن تسمية القانون بـ خدمة العلم تتقاطع مع ما ورد في قانون الخدمة العسكرية رقم 65 لسنة 1969، وكذلك مع نصوص الدستور العراقي، لافتاً إلى أن المشروع يتكون من 66 مادة لكنه لا يعالج بشكل كافٍ التعارضات التشريعية القائمة.
وبيّن أن تطبيق القانون في جميع المحافظات والإقليم، كما نصت المادة الثالثة، يواجه تحديات عملية كبيرة، خاصة في ظل الحاجة إلى إنشاء دوائر تجنيد وفرض إجراءات إلزامية وعقوبات على المتخلفين، وهو ما قد يصعب تنفيذه ميدانياً.
وفي ما يتعلق بالفئات المشمولة، انتقد التميمي تحديد العمر بين 18 و45 عاماً، مقترحاً تقليصه إلى 35 عاماً مراعاةً للظروف الاقتصادية والاجتماعية. كما دعا إلى تعديل آلية الدعوة للخدمة في حالات الحرب والطوارئ، بحيث تكون بقرار من القائد العام للقوات المسلحة وموافقة مجلس النواب، انسجاماً مع المواد الدستورية ذات الصلة.
وسلط الضوء على إشكاليات تتعلق بإجراءات الفحص الطبي للمشمولين، معتبراً أن تشكيل لجان في المحافظات قد يفتح الباب لصعوبات في الرقابة، داعياً إلى إنشاء لجنة عليا للطعن في قراراتها. وفي الوقت ذاته، أشاد بالمادة العاشرة التي منحت المعيل راتباً، لكنه أشار إلى غياب تحديد واضح لرواتب المشمولين بالخدمة.
كما تطرق إلى مسألة استدعاء الاحتياط، معتبراً أن حصر القرار بالقائد العام للقوات المسلحة لا ينسجم مع طبيعة النظام البرلماني، مطالباً بإشراك السلطة التشريعية. وأبدى ملاحظات على غياب نصوص واضحة تلزم المؤسسات الخاصة بإعادة الموظفين بعد انتهاء الخدمة، أو تحديد جهة التقاضي في حال النزاع.
وفي جانب العقوبات، رأى التميمي أنها تحتاج إلى مراجعة شاملة، مع التركيز على الغرامات بدل العقوبات السالبة للحرية، خاصة مع وجود مخالفات تُحال إلى قانون العقوبات العراقي مثل التزوير والرشوة.
وانتقد عدم تحديد مقدار البدل النقدي في القانون، إضافة إلى منح بعض الصلاحيات لضباط التجنيد التي قد تتعارض مع مبدأ الفصل بين السلطات، مؤكداً أن تحريك الدعاوى يجب أن يكون من اختصاص الادعاء العام.
كما أشار إلى أن المشروع لم ينص صراحة على إلغاء قوانين وقرارات سابقة، بينها قانون التجنيد الإلزامي لعام 1969، ما قد يسبب إرباكاً تشريعياً. وتساءل عن غموض بعض النصوص، مثل استثناء الممارسين للخدمة الدينية ، وعدم معالجة أوضاع مزدوجي الجنسية.
ولفت أيضاً إلى استخدام مصطلحات لا تنسجم مع السياق العسكري، وإلى أن منع السفر لغير الملتحقين قد يتعارض مع الحقوق الدستورية، داعياً إلى قصره على المدعوين فعلياً للخدمة.
وختم التميمي بالقول إن مشروع القانون بحاجة إلى تأجيل وإعادة صياغة، مع ضرورة عرضه على الرأي العام والخبراء المختصين، في ظل الظروف الراهنة التي تمر بها البلاد.
وكان قد أكد مكتب رئيس مجلس النواب هيبت الحلبوسي، تبنيه طرح مقترح قانون التجنيد الإلزامي في العراق، باعتباره ضرورةً لـ تهيئة جيل منضبط .
وقال المكتب الإعلامي لرئيس مجلس النواب، في بيان اطلع عليه عراق اوبزيرفر ، إنه عقب زيارة رئيس مجلس النواب هيبت الحلبوسي الأخيرة إلى مقر وزارة الدفاع ولقائه رئيس أركان الجيش، عبد الأمير رشيد يار الله، وقادة ومديري صنوف الجيش العراقي، اطّلعَ على أبرز التحديات التي تواجه المؤسسة العسكرية، واستمع إلى عرضٍ مفصل بشأن واقع الجيش ومتطلبات تطويره، ولا سيما ما يتعلَّق بملف أعمار المتطوعين وتعزيز قدراتهم وتوفير البيئة المناسبة لأداء مهامهم .
وشهدت الزيارة حوارات معمَّقة مع قيادة الوزارة وكبار الضباط والأركان، تناولت ضرورة إعادة النظر في موضوع التجنيد الإلزامي، بوصفه خيارًا استراتيجيًا لتعزيز قدرات الجيش وبناء قاعدة بشرية منضبطة قادرة على تحمّل المسؤولية الوطنية .
وأشار إلى أنه في هذا السياق، يتبنَّى رئيس مجلس النواب طرح مقترح قانون التجنيد الإلزامي في العراق، باعتباره ضرورةً أمنيةً واجتماعيةً تسهم في تعزيز قوَّة المؤسَّسة العسكرية، وتهيئة جيلٍ يمتلك الانضباط والوعي والمسؤولية، فضلاً عن الإسهام في تقليل البطالة وتوجيه طاقات الشباب نحو العمل المنظم، والحد من الانخراط في الظواهر السلبية، وتعزيز روح الانتماء الوطني والاندماج المجتمعي بين أبناء العراق .
وأكد رئيس مجلس النواب، حسب البيان، أن تبنّيه وطرحه هذا القانون أتى بعد التشاور مع رؤساء الكتل النيابية وأعضاء مجلس النواب، وبما يضمن المضي به ضمن مسارٍ تشريعي يعكس المصلحة العامة، ويخدم متطلبات الأمن الوطني في المرحلة المقبلة .
وفي عام 2003، وأثناء الاحتلال، ألغى الحاكم الأمريكي بول بريمر، القانون الذي كان يعمل فيه النظام السابق، وأصبحت الحكومات المتعاقبة تعتمد على جيش من المتطوعين بدلًا من الخدمة الإجبارية.
وفي 31 آب/أغسطس 2021، أقرت الحكومة العراقية، مشروع قانون للتجنيد الإلزامي في المؤسسة العسكرية بعد 18 عامًا من إلغائه، وقال رئيس الوزراء السابق، الكاظمي وقتها: أنجزنا اليوم ما تعهّدنا به منذ لحظة تسلّمنا المسؤولية أمام شعبنا والتأريخ، بإقرار خدمة العَلم التي ستكرّس القيم الوطنية في أبنائنا .
وفي أيار/مايو من العام 2022، أكّدت وزارة الدفاع، أنها مستعدة لتطبيق قانون التجنيد الإلزامي حال إقراره من قبل البرلمان.
هذا المحتوى مقدم من عراق أوبزيرڤر
