مرشد رشدان الرشدان: إيران لا تبحث عن اتفاق.. بل تعيد كتابة قواعده

إيران لا تبحث عن اتفاق بل تعيد كتابة قواعده

قراءة في منطق التفاوض الإيراني تكشف أن طهران لا تسعى إلى اتفاق سريع بقدر ما تعمل على إعادة تشكيل شروطه، مستفيدة من بنية داخلية مرنة، وقدرة على امتصاص الضغوط، وتباين في أولويات خصومها ضمن بيئة دولية غير متجانسة.

في عالم الدبلوماسية، نادرًا ما يؤدي تكرار نفس الأساليب إلى نتائج مختلفة، ومع ذلك لا يزال هذا النمط يميز العلاقة بين الولايات المتحدة وإيران. فقد انتهت المفاوضات الأخيرة التي عُقدت في إسلام آباد، برعاية باكستان، دون التوصل إلى اتفاق دائم لوقف إطلاق النار و إنهاء الحرب بينهم، وهي نتيجة لم تكن مفاجئة بقدر ما كانت امتدادًا طبيعيًا لمسار طويل من سوء الفهم الاستراتيجي، واستخدام أدوات تفاوضية لم تتكيف مع طبيعة الطرف المقابل.

لفهم هذا الفشل، لا يكفي الوقوف عند تفاصيل التفاوض، بل لا بد من التعمق في البنية الداخلية لكل طرف. فإيران والولايات المتحدة، ومعهما إسرائيل، تعمل ضمن منظومات مختلفة جذريًا من حيث طبيعة السلطة وأولوياتها وآليات اتخاذ القرار، ما يجعل ما يبدو كمفاوضات مباشرة في الحقيقة تصادمًا بين أنماط تفكير غير متجانسة.

إيران، في هذا السياق، ليست مجرد دولة حديثة، بل كيان متجذر في التاريخ ووارث لتقليد طويل تعزز بعد الثورة الإيرانية. وقد طورت، عبر عقود من العقوبات والعزلة، قدرة عالية على الصمود البنيوي، مدعومة بتنوع جغرافي وموارد داخلية تمنحها قدرًا من الاكتفاء النسبي، وتقلل من حساسيتها للضغوط الخارجية.

ولا يقتصر هذا الصمود على الموارد أو الجغرافيا، بل يرتكز على بنية داخلية مركّبة تمنح النظام قدرة استثنائية على الاستمرار تحت الضغط. فإيران لا تُدار عبر مركز قرار أحادي، بل من خلال شبكة مؤسسات متداخلة، سياسية وأمنية ودينية، تعمل ضمن توازن دقيق يضمن استمرارية القرار حتى في حالات الاستهداف أو الاضطراب. وهذه البنية لا تعني التشتت، بل تخلق مرونة تسمح بامتصاص الصدمات وإعادة إنتاج القرار دون انهيار مفاجئ.

وعلى المستوى الاقتصادي، لم تعد العقوبات مجرد أداة خنق مباشر، بل تحولت مع الوقت إلى بيئة تكيفت معها الدولة. فقد طورت إيران ما يمكن وصفه باقتصاد التكيّف تحت الضغط، أو ما يُعرف في الأدبيات الحديثة بـ Sanctions-Resilient Economy ، من خلال شبكات تجارة بديلة، وتوسيع الاعتماد على الإنتاج المحلي في قطاعات حيوية، واكتساب خبرة متراكمة في إدارة القيود المالية والالتفاف عليها. وبهذا، لم تُنهِ العقوبات قدرتها على الاستمرار، بل أعادت تشكيل اقتصادها ليصبح أكثر تحمّلًا.

ويعزز هذا التماسك بُعد أيديولوجي واضح، إذ لا تُدار الأزمات بمنطق إداري صرف، بل ضمن إطار تعبوي يعيد تفسير الضغوط كجزء من صراع أوسع، ما يمنح النظام قدرة أكبر على حشد الداخل وتحمل كلفة الصراع لفترات طويلة.

كما تسعى إيران إلى تحقيق قدر من الاكتفاء النسبي في القطاعات الحساسة، خصوصًا في مجالات الدفاع والطاقة، إلى جانب اعتمادها الكبير على قدراتها الذاتية في التصنيع العسكري، خاصة في مجال الصواريخ بعيدة المدى. ومع ذلك، فإن الفجوة الحقيقية لا تكمن فقط في نوعية السلاح، بل في الأنظمة التكنولوجية المساندة مثل الاستطلاع وتحديد الأهداف والأقمار الصناعية وإدارة المعركة. وتشير بعض التقديرات إلى أن إيران تمكنت من تقليص جانب من هذه الفجوة عبر دعم تقني غير مباشر أو تبادل خبرات مع روسيا والصين، ما جعل هذا النقص جزئيًا لا حاسمًا.

ولا يمكن فصل ذلك عن العامل البشري والجغرافي. فإيران تمتلك كتلة سكانية كبيرة، وقاعدة بشرية واسعة يمكن تعبئتها، كما أن اتساع أراضيها وتنوع تضاريسها يمنحانها عمقًا استراتيجيًا كبيرًا، يجعل أي تدخل بري عملية طويلة ومعقدة. وحتى في حال تحقيق تقدم ميداني أولي ضدها، تبقى قدرتها على امتصاص الصدمة وتحويل الصراع إلى حرب استنزاف عالية، وهو ما تؤكده تجربة الحرب العراقية الإيرانية التي استمرت ثماني سنوات رغم اختلال التوازن في بدايتها.

ولا يمكن فهم هذا المشهد دون النظر إلى الأطر الاستراتيجية التي تحكم سلوك الأطراف. فالولايات المتحدة، بوصفها قوة عالمية، لا تسعى فقط إلى الحسم، بل إلى إدارة التوازنات الدولية والإقليمية، في مقاربة قريبة من مدرسة Henry Kissinger، التي تقوم على منع صعود قوة مهيمنة في أي إقليم، والحفاظ على شبكة من التوازنات التي.....

لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه


هذا المحتوى مقدم من صحيفة الوطن الكويتية

إقرأ على الموقع الرسمي


المزيد من صحيفة الوطن الكويتية

منذ 8 ساعات
منذ 7 ساعات
منذ 8 ساعات
منذ 5 ساعات
منذ 7 ساعات
منذ 5 ساعات
صحيفة الوطن الكويتية منذ 8 ساعات
صحيفة الأنباء الكويتية منذ 11 ساعة
صحيفة القبس منذ 8 ساعات
صحيفة الوطن الكويتية منذ 8 ساعات
كويت نيوز منذ 7 ساعات
صحيفة الجريدة منذ 8 ساعات
صحيفة الراي منذ ساعتين
صحيفة الراي منذ ساعتين