يواصل المغرب ترسيخ مكانته كمنصة اقتصادية إقليمية جاذبة للاستثمارات الأجنبية، بعدما تم الإعلان عن موجة جديدة من المشاريع الألمانية التي تهم قطاعات استراتيجية، في مؤشر واضح على تنامي ثقة الفاعلين الاقتصاديين الأوروبيين في السوق المغربية وقدرتها على لعب دور محوري داخل الفضاء المتوسطي.
وجاء الكشف عن هذه الاستثمارات خلال لقاء نظمته سفارة ألمانيا وغرفة التجارة والصناعة الألمانية بالمغرب بالدار البيضاء، بحضور ممثلين عن شركات كبرى اختارت توسيع أنشطتها داخل المملكة، وهو ما يعكس انتقال العلاقات المغربية الألمانية من مرحلة التبادل التجاري التقليدي إلى شراكة إنتاجية أكثر عمقاً.
وفي قطاع اللوجستيك، أعلنت شركة داكسر عن مشروع مركز جديد داخل منطقة طنجة أوتوموتيف سيتي ، يمتد على مساحة واسعة ويضم تجهيزات حديثة تستجيب للمعايير الجمركية والبيئية الدولية. ويبرز هذا المشروع الأهمية المتزايدة لمدينة طنجة كممر رئيسي للتجارة والصناعة، خاصة في ظل ارتباطها بالموانئ والبنيات التحتية الكبرى. كما تخطط الشركة لتوسيع نشاطها بمدينة مراكش، بما يعزز خدمات سلاسل التوريد لفائدة المقاولات الصغيرة والمتوسطة.
أما في المجال الصناعي والصيدلاني، فقد اختارت شركة باير رفع استثماراتها بالمغرب من خلال تخصيص 200 مليون درهم لإحداث خطوط إنتاج جديدة بموقعها في النواصر بين سنتي 2026 و2028. ويكشف هذا القرار عن تحول المغرب إلى قاعدة إنتاجية موثوقة في الصناعات الدوائية، خصوصاً مع توجيه جزء مهم من الإنتاج نحو التصدير إلى عشرات الدول.
وفي قطاع السيارات، تواصل شركة ليوني توسيع حضورها بالمملكة عبر مشاريع جديدة بالقنيطرة وأكادير، باستثمارات مهمة تندرج ضمن برنامج أوسع تتجاوز قيمته 900 مليون درهم. ويعكس هذا التوسع الدينامية التي يشهدها القطاع، خاصة بعد نجاح المغرب في استقطاب كبريات الشركات العالمية وربط الصناعة المحلية بسلاسل التوريد الأوروبية.
الاستثمار الألماني لم يقتصر على القطاعات التقليدية، بل امتد أيضاً إلى التكنولوجيا والرقمنة، حيث تعتزم شركة إنيرجي نوار إنشاء مراكز للذكاء الاصطناعي بكل من الدار البيضاء وخريبكة، إلى جانب أكاديمية لتكوين الكفاءات بفاس. ويبرز هذا التوجه أن المغرب لم يعد فقط وجهة للتصنيع منخفض التكلفة، بل أصبح فضاءً لتطوير المهارات والابتكار الرقمي.
وتؤكد الأرقام الرسمية هذا التحول، بعدما بلغ حجم الاستثمارات الألمانية المباشرة بالمغرب نحو 2.1 مليار يورو سنة 2024، ما يجعل ألمانيا من أبرز المستثمرين الأجانب بالمملكة. كما يعكس ذلك نجاح المغرب في استثمار موقعه الجغرافي واستقراره السياسي وتطوره الصناعي لجذب رؤوس الأموال الباحثة عن أسواق مستقرة وقريبة من أوروبا.
في المحصلة، تكشف هذه المشاريع الجديدة أن المغرب يدخل مرحلة اقتصادية أكثر نضجاً، قوامها الانتقال من منطق الاستقبال التقليدي للاستثمارات إلى منطق الشراكة الصناعية والتكنولوجية طويلة المدى، وهو ما قد ينعكس إيجاباً على التشغيل ونقل الخبرات وتعزيز الصادرات خلال السنوات المقبلة.
هذا المحتوى مقدم من أشطاري 24
