بالواضح نور الدين اللوزي
أكدت الدكتورة يسرى التازي أن التوحد ليس تجربة فردية تخص الطفل المصاب فقط، بل هو قضية أسرية متكاملة تمتد آثارها إلى مختلف أفراد الأسرة، وخاصة الإخوة، مبرزة أن التعامل مع هذا الاضطراب يفرض إعادة النظر في طبيعة التوازنات داخل البيت ودينامية العلاقات بين أفراده.
وأوضحت الأستاذة الجامعية بكلية الآداب بالمحمدية، خلال ندوة نظمت أول أمس بجامعة سيدي محمد بن عبد الله بفاس، أن دراسة مغربية حديثة سلطت الضوء على جانب غالبًا ما يظل خارج الاهتمام، ويتعلق بتجربة إخوة الأطفال المصابين باضطراب طيف التوحد، وما يرافقها من انعكاسات نفسية واجتماعية معقدة.
وأضافت أن هذه المقاربة البحثية تنطلق من فكرة أساسية مفادها أن التوحد لا يُعاش كحالة فردية معزولة، بل كخبرة أسرية شاملة تعيد تشكيل الأدوار داخل الأسرة، حيث يجد الإخوة أنفسهم أمام مسؤوليات مبكرة، قد تشمل المساهمة في الرعاية اليومية أو التخفيف من الأعباء الواقعة على الوالدين، وهو ما قد يساهم في بناء حس المسؤولية لديهم، لكنه في المقابل قد يخلق ضغوطًا نفسية وإحساسًا بالإرهاق.
وأبرزت التازي أن إخوة الأطفال التوحديين يعيشون تجربة انفعالية مركبة، تتداخل فيها مشاعر التعاطف والحماية مع القلق، إلى جانب شعور محتمل بالإهمال نتيجة تركيز الاهتمام الأسري على الطفل المصاب، مشيرة إلى أن هذا الوضع يولّد لدى عدد منهم إحساسًا مبكرًا بالمسؤولية والالتزام داخل الأسرة.
وعلى المستوى الاجتماعي، سجلت الدراسة وجود تحديات إضافية مرتبطة بنظرة المجتمع، حيث يعبر بعض الإخوة عن خشيتهم من الوصم أو السخرية، فضلًا عن صعوبة شرح وضعية أخيهم أو أختهم للآخرين، ما قد يدفعهم في بعض الحالات إلى الانسحاب أو تقليص تفاعلهم الاجتماعي.
ورغم هذه الإكراهات، تشير نتائج الدراسة إلى أن هذه التجربة قد تحمل أيضًا أبعادًا إيجابية، من بينها تعزيز النضج الانفعالي وتطوير مهارات التكيف مع الضغوط، خاصة عندما تحظى الأسرة بدعم نفسي واجتماعي مناسب.
واعتمدت الدراسة على منهج كيفي قائم على مقابلات معمقة مع 32 مشاركًا من إخوة الأطفال المشخصين باضطراب طيف التوحد، ما أتاح فهماً دقيقًا لتجاربهم اليومية وتمثلاتهم لهذه الإعاقة داخل السياق الأسري والاجتماعي.
وخلصت التازي إلى التأكيد على ضرورة اعتماد مقاربة شمولية في التعامل مع اضطراب طيف التوحد، لا تقتصر على الطفل المصاب فقط، بل تشمل الأسرة بأكملها، مع إدماج الإخوة في برامج الدعم والمواكبة النفسية، بما يساهم في تحقيق التوازن الأسري وتعزيز الصحة النفسية داخل البيت.
هذا المحتوى مقدم من موقع بالواضح
