بقلم : عثمان محمود
لم تكن ظاهرة الكلاب الضالة غائبة عن الكثير من مدننا.. وإن كانت أقل حدة مما هي عليه في أيامنا هذه، كما أن التصدي لها وإن كان في الغالب يأخذ أشكالا قاسية، فإن ردود الفعل تجاهها حينها، كانت من جهتها، باهتة، إن وجدت أصلا. ولعل الصورة والتعليق العابرين للفضاء الأزرق وما يمت إليه بصلة، وراء هذا الانتباه المتزايد للكلاب التي تجوب بعض الأزقة ولم لا الشوارع، وتفترش أرض بعض الساحات، كما أنهما (الصورة والتعليق) وراء الوقوف في وجه أي قضاء عليها بالأساليب العنيفة في ظل العجز التام أمام إيجاد طرق بعيدة المدى تحافظ على حياة هاتيك الكلاب، وفي الوقت نفسه تنقذ مدننا من جحافلها التي تشوه المنظر العام وتبعث الرعب في المارة، خاصة وأن بعضها تسببت في حوادث قاتلة تناقلتها الأخبار ضمن ما تغطيه من وقائع تدعو إلى الأسى والغم.
وبما أن أي ظاهرة، كيفما كان نوعها، لا تأتي هكذا بدون مقدمات ولا إرهاصات، بل لا بد لها من مسببات تفضي إلى نتائج تجعل لها كينونة وتواجدا، قد يأخذ صبغة الاستفحال أحيانا، فإن وقفة متأنية لتحديد الأسباب المباشرة وراء انتشار تلك الجموع من الكلاب في بعض الأزقة والشوارع، يحيل إلى أمرين اثنين، وما بينهما يبقى مجرد تفاصيل لا تحدث تغييرا يذكر في الأصل والجوهر. أما الأمر الأول، فمرتبط بالبوادي التي تقع على مشارف المدن؛ فالكلب الذي كان فيما مضى يحظى بالرعاية والاهتمام حتى من قبل البيوت المتواضعة، حيث كان يربط نهارا ويطلق سراحه ليلا للحراسة، وتوفر له خلال ذلك ظروف العيش المناسب وفي مقدمتها الأكل الطبيعي، غدا اليوم شبه مهمل، فيضطره الجوع إلى حيث أماكن جمع القمامة في الأحياء الهامشية. وهنا الأمر الثاني، إذ أن رمي النفايات بجانب الصناديق المخصصة لها، يشجع ذاك الكلب على الحلول ضيفا على المدينة، زد على ذلك توفر أماكن النوم المريح والإقامة الدائمة داخل الحدائق بدون حراسة مشددة، أو تلك التي سياجها غير حصين، فضلا عن الملاعب الترابية على الخصوص؛ فقد سبق لي أن عاينت قبل أيام أربعة كلاب تنام صباحا ملء جفونها وسط مربع العمليات داخل ملعب ترابي، ولسان حالها يقول: لا تزعجوا راحتنا، من فضلكم أجلوا اللعب إلى حين..
إن دراسة جادة لهذين الأمرين، يمكن أن توفر الجهود المضنية والأموال الطائلة التي تصرف على إقامة الملاجئ الخاصة بالكلاب التائهة؛ فما دامت الطلائع الأولى تأتي من البوادي المتاخمة للمدن، فلماذا لا نشجع أصحابها هناك على الاهتمام بها عن طريق تقديم العون والإرشاد من أجل رعاية تامة يحضر فيها الغذاء والتلقيح والصحة وما إلى ذلك، كما أنه بالإمكان ترقيمها، وتتبع المسار الذي سلكته الجراء أثناء خروجها إلى الحياة لمعرفة أولئك الذين آل إليهم تعهدها. فمهمة الكلب هي الحراسة، والبادية كما كان قديما هي المكان المناسب لقيامه بهذه المهمة بدل القدوم إلى المدينة على حين غرة ليجد فيها الملاذ، فيشكل مع الذين رافقهم في طريق القدوم، أو الذين وجدهم هناك، جماعات باتت حديث الساعة. أما داخل المدن، فالحرص كل الحرص على حراسة الحدائق ليلا ونهارا، لتبقى عند حسن الظن على الدوام، وهو ما ينطبق على ملاعب القرب بأنواعها، وعلى الحراس الليليين الامتناع عن استئناس بعض تلك الكلاب ليلا ومتى طلع النهار تركها تصول وتجول، والأمر نفسه ينسحب على بعض البيوت التي تأخذها الرأفة بالجراء على الخصوص، فتطعمها وتوفر لها الأمن والأمان، حتى إذا كبرت صارت في عداد الضال من الكلاب، وما تتسبب فيه من إزعاج ورعب.. وهكذا إذا نحن اعتمدنا الترقيم الذي سبقت الإشارة إليه، فإنه متى ما جنح كلب عرف صاحبه تبعا للرقم الذي يحمله، والمسجل على أذنه، تماما كما الحال مع قطعان المواشي.
وعليه؛ فبدل الشكاية من ظاهرة الكلاب الضالة داخل بعض مدننا، وبدل الدعوة إلى اجتناب كل الطرق العنيفة للتخلص منها، وبدل إنشاء أماكن إقامة دائمة لها، وما يتطلب ذلك من سهر دؤوب وأموال كثيرة؛ وجب التركيز العملي على الجهة التي تنطلق منها تلك الكلاب نحو المدينة، وأعني بها البوادي المتاخمة للمدن، قصد إبقائها هناك وفق ضوابط مدروسة، وفي الآن نفسه ينبغي تكثيف الجهود لمحاربة الأماكن العشوائية داخل المدن بما فيها تلك التي تلقى فيها النفايات بدون حسيب ولا رقيب؛ فالكلب إذا لم يجد الأكل الكافي والمأوى المريح، سيقفل لا محالة راجعا من حيث أتى.
هذا المحتوى مقدم من صحيفة الأسبوع الصحفي
