دفاعا عن النقد المتحيز في الرواية وخارجها
ثمةَ كتبٌ لا تُريحك، لا تُشبع غرورك، لا تُقدّم لك كلمات مديح تقديرًا لمواقفك المُسبقة. إنما تأتي كالمشرط الحاد وتُعلن ذلك في صفحتها الأولى دون تلطّف. «البوليفونية الزائفة في الرواية العربية» لمحمد سعيد احجيوج (الصادر عن دار العين، القاهرة، مارس 2026) هو كتابٌ من هذا الصنف النادر في النقد العربي: يختار الحفر في أمراض المجتمع الثقافي منهجًا، ويتخذ من الهدم وظيفةً أخلاقية وخطوةً أولى قبل أي محاولة للبناء.
ينطلق الكتاب من الرواية، غير أن ما يُقدّمه احجيوج أعقد من ذلك وأكثر تركيبًا: إنه نقدٌ للرواية وللناقد ولمنظومة الجوائز والتلقي والقراءة معًا: إنه نقدٌ للمنظومة الثقافية بأسرها، ولحالة الاستلاب الثقافي في العالم العربي، حيث تفرض الرداءة نفسها وتسيطر على كل شيء، من الأدب إلى السياسة وما بينهما.
يستأثر مفهوم «البوليفونية الزائفة» بمحور الكتاب كله. والبوليفونية، بالمعنى الروائي، مصطلح صاغه الناقد الروسي ميخائيل باختين ليدل على الروايات التي تمنح شخصياتها أصواتًا حقيقية مستقلة — لكلٍّ منها منطقه ولغته ورؤيته — بدلًا من إخضاع الجميع لصوت الكاتب الواحد المهيمن. والمفهوم الذي يُعيد توظيفه احجيوج لا يستكشف ما يوجد في الرواية العربية من تعددية، بل يُفكّك الادعاء بها حين تكون قناعًا لأحاديةٍ مستترة.
البوليفونية الزائفة، كما يُعرّفها الكتاب، تتجاوز كونها قصورًا تقنيًا عرضيًا يمكن تخطيه بقليل من الدربة السردية. إنها موقف حضاري مُضمَر: الكاتب الذي يعدد الأصوات شكليًا لكنه يحرص على أن تنتهي جميعها إلى نفس النغم إنما يُمارس استبدادًا أدبيًا وفكريًا، متنكرًا في لبوس التعددية الحوارية. الشخصيات تتكلم، غير أن أصواتها مُستعارة من صوت الكاتب نفسه. التعدد هنا محض وهم.
لكن الكتاب لا يكتفي بهذا التشخيص. ما يُميّزه ويمنحه ثقلًا نظريًا هو أنه يُمدّد الأزمة إلى جذورها الحضارية: لماذا يصعب على الكاتب العربي التنازل عن سلطة الصوت الواحد داخل نصه؟ لأنه ابنٌ لثقافة تُقدّس الصوت الواحد في السياسة والدين والمجتمع. الرواية، بهذا المنطق، ليست استثناءً من النظام القائم، بل مرآة مخلصة له.
مانيفستو النقد المتحيز
قبل أن يُشرّح الرواية، يُشرّح احجيوج النقدَ نفسه. المقدمة التي يحمل عنوانها دفاعًا مُعلنًا عن النقد المتحيز جاءت كأنها بيانٌ مفاهيمي يُقلق راحة النقد الكسول: الموضوعية المطلقة في نقد الأدب ليست فضيلة، بل خديعة منهجية يُخفي خلفها الناقد خوفه أو انتهازيته. النقد الحقيقي نقدٌ متحيز بطبيعته، لكنه متحيزٌ واعٍ بتحيزه، مُعلِنٌ له، بانٍ عليه موقفًا فكريًا وجماليًا — لا مُستترٌ خلف حياد مزيف يُمسك العصا من الوسط ويتخلى بذلك عن الوظيفة الحقيقية للنقد.
يستوجب هذا الطرح وقفةً طويلة لأنه يُعيد تعريف موقع الناقد في المنظومة الثقافية برمتها. الناقد كائنٌ يقرأ بعينيه وبذاكرته وبجروحه وأحلامه. فارقٌ كبير، إذن، بين ناقدٍ يُعلن موقعه ويبني عليه، وناقدٍ يُخفيه خلف موضوعية زائفة.
ثمة سؤال يستدعي تأملًا أعمق هنا: هل يقع الكتاب نفسه في الفخ الذي يُحذّر منه؟ أن تدّعي ثقافة نقدية أنها وجدت الحل في «التحيز المُعلَن» يمكن أن يُصبح هو نفسه سلطةً جديدة. ما يُصون التحيز من الاستبداد ليس الإعلان عنه وحده، بل المرونة الفكرية المُرافقة له — القابلية للمراجعة، وإبقاء باب السؤال مفتوحًا حتى على الأطروحة المُعلنة ذاتها. وهذا ما يفعله الكتاب بدءًا من عنوانه الفرعي «محاولات في التفكير النقدي»، معتمدًا على المعنى الأصلي لمفهوم المقالة (Essay) بوصفها بحثًا مستمرًا للفهم، لا صيغةً نهائيةً منجزةً لا يأتيها الباطل.
تشريح الكرنك وسلطة نجيب محفوظ الأبوية
إن كان ثمة فصلٌ واحد في الكتاب يُجسّد ما يُنادي به من نقد متحيز وجريء وغير مهادن، فهو الفصل الثالث المُخصَّص لرواية نجيب محفوظ الشهيرة «الكرنك». اقتحام نصٍّ لمحفوظ — عميد الرواية العربية والحائز.....
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه
هذا المحتوى مقدم من هسبريس
