الانسحاب من الجامعة العربية

دعوة الانسحاب من الجامعة العربية: ضيق أفق فكري وسياسي

لو كانت الدول تُدار بالشعارات، لكان أول قرار نتخذه كل صباح هو إعادة تعريف أنفسنا من جديد. واليوم، يُطلب منا، بكل بساطة، أن نُعيد تعريف المغرب: ننسحب من جامعة الدول العربية، ونعلن عودة إلى إفريقيا، وكأن المغرب كان يومًا خارجها، أو كأن الهوية تُغيَّر بقرار إداري. هكذا، وبدون مقدمات، يتحول تاريخ قرون إلى رأي عابر.

دعوة الاستاذ المحامي أحمد أرحموش إلى الانسحاب من جامعة الدول العربية ليست مجرد موقف سياسي، بل هي تعبير مكثّف عن رؤية أيديولوجية تحاول إعادة هندسة الهوية المغربية وفق تصور ضيق، يقوم على ثنائية ساذجة: إما عربي أو إفريقي. اختر، أو انسحب. بهذه الدعوة، يريد الأستاذ ان يقنعنا اننا سنقوي الهوية الامازيغية للمغرب.

لكن المغرب، لمن نسي أو تناسى، لم يكن يومًا مشروع هوية أحادية. منذ قرون، تشكّل هذا البلد عند تقاطع طرق حضارية: الأمازيغ هم عمقه البشري، والعربية كانت لغة العلم والإدارة والدين لقرون، ومن مراكش وفاس انطلقت دول وإمبراطوريات امتدت جنوبًا داخل إفريقيا نفسها، لا كـتابع، بل كفاعل. المغرب لم يكتشف إفريقيا اليوم، بل كان جزءًا من حركيتها التاريخية، كما كان جزءًا من الفضاء العربي الإسلامي الذي تشكّل داخله علميًا وثقافيًا. فكيف يُطلب منه اليوم أن يختار بين ما لم يكن يومًا متناقضًا؟

ثم دعونا نضع الشعارات جانبًا، ونسأل السؤال الذي يتجنبه هذا الخطاب بعناية: ما هي، بشكل ملموس، أوجه التشابه الهوياتية بين المغاربة وشعوب إفريقيا جنوب الصحراء؟ هل هي اللغة؟ هل هي التاريخ؟ هل هي البنية الثقافية؟ هل هي الأنماط الاجتماعية؟ أم أن إفريقيا هنا مجرد كلمة فضفاضة تُستعمل كتعويذة خطابية، كلما أردنا إضفاء عمق وهمي على طرح سطحي؟

المثير للسخرية أن هذا الخطاب يتحدث عن إفريقيا وكأنها وحدة متجانسة، بينما هي في الواقع من أكثر فضاءات العالم تنوعًا وتعقيدًا. نفس المنطق، لو طبقناه على أوروبا، لكان علينا أن نزعم أن البرتغال وروسيا لهما نفس الهوية، فقط لأنهما يتقاسمان القارة!

لكن الحقيقة أبسط: إفريقيا في هذا الطرح ليست موضوع فهم، بل أداة توظيف. يتم استدعاؤها لا حبًا فيها، ولا إدراكًا لتعقيدها، بل لأنها تُستعمل كضد رمزي لكل ما هو عربي. وهنا لا نتحدث عن تحليل، بل عن موقف أيديولوجي مُسبق يبحث عن مبررات.

أما الادعاء بأن الانتماء إلى جامعة الدول العربية لم يحقق للمغرب مكاسب، فهو طرح يُقاس بعقلية محاسباتية ضيقة، كأن السياسة الخارجية دفتر حسابات يومي في بقالة الحي. هل كانت كل التحالفات التاريخية للمغرب قائمة على الربح الفوري؟ هل كانت الدول تُبنى بهذه الطريقة أصلًا؟ الدول تُراكم، تُناور، وتُوسّع دوائرها، ولا تنسحب منها كلما لم تعجبها النتائج على المدى القصير.

ثم إن المغرب، تاريخيًا، لم يكن يومًا أسير دائرة واحدة: هو في إفريقيا، وفاعل فيها، وهو أيضًا في العالم العربي، وفاعل فيه. وهذه ليست مفارقة، بل مصدر قوة. المفارقة الحقيقية هي في هذا الخطاب الذي يرى في التعدد مشكلة، وفي الاختزال حلًا.

الأخطر من ذلك هو التناقض الداخلي: خطاب يدّعي الدفاع عن التعدد الثقافي، لكنه لا يجد حرجًا في الدعوة إلى إقصاء أحد المكونات الأساسية للهوية المغربية. خطاب يتحدث عن التحرر، لكنه أسير ثنائية بدائية: هذا أو ذاك، نحن أو هم.

الحقيقة التي يتم تجاهلها هي أن المغرب لا يعيش أزمة هوية حتى يُطلب منه هذا النوع من إعادة التوجيه. المغرب لم يكن يومًا كيانًا هشًا يحتاج إلى إعادة تعريف، بل كيانًا مركبًا.....

لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه


هذا المحتوى مقدم من هسبريس

إقرأ على الموقع الرسمي


المزيد من هسبريس

منذ 10 ساعات
منذ 6 ساعات
منذ 3 ساعات
منذ 6 ساعات
منذ 9 ساعات
منذ 5 ساعات
هسبريس منذ 10 ساعات
موقع طنجة نيوز منذ 8 ساعات
هسبريس منذ 5 ساعات
هسبريس منذ 6 ساعات
هسبريس منذ 13 ساعة
هسبريس منذ 15 ساعة
صحيفة الأسبوع الصحفي منذ 9 ساعات
صحيفة الأسبوع الصحفي منذ 11 ساعة