على أهمية كتاب «حضارة في طريق الزوال: القرية اللبنانية» لأنيس فريحة وعلى ريادته في موضوعه، حيث إنه أول دراسة أثنوغرافية عن القرية اللبنانية، فإنه لم يحظ بتقديم عروض له ولا بتعليقات على بعض ما ورد فيه منذ صدوره في عام 1957، سوى عرض صغير كتبه محمد وهبي في مجلة «الآداب» في 1 فبراير (شباط) 1958، تضمن تحفظات نقدية. إن ما كتب عنه من تاريخ صدوره إلى يومنا هذا - إذا استثنينا ما كتبه محمد وهبي عنه - ليس أكثر من إشارات قصيرة له مع تثمين لموضوعه.
المثير للانتباه أن الذين تعرضوا لذكر الكتاب أخفقوا في تحديد جنسه أو هويته العلمية. فمن قائل بأنه دراسة اجتماعية إلى قائل بأنه دراسة أنثروبولوجية إلى قائل بأنه دراسة أثنولوجية.
الذي قال بأنه دراسة اجتماعية أظنه اعتمد على قول أنيس فريحة في مقدمة الكتاب: «كان غرضنا في الدرجة الأولى إثارة الموضوع وتبيان أهميته الاجتماعية آملين أن تؤدي إثارة الموضوع إلى ترغيب طلاب الاجتماع من البحث والجمع على أسس أدق».
والذي قال بأنه دراسة أنثروبولوجية، قد يكون منشأ اللبس عنده أن الأنثروغرافيا فرع قديم من الأنثروبولوجيا، وأن جذورها نابعة من الأنثروبولوجيا الاجتماعية والأنثروبولوجيا الثقافية.
في أواخر القرن التاسع عشر بدأ علم الأثنوغرافيا، وكذلك علم الأثنولوجيا تدريجياً، يستقلان عن الأنثروبولوجيا التي كانت علماً نظرياً فيزيقياً، ثم اتسع هذا العلم في العقد الثالث من القرن العشرين. وبعد اتساع حقل الأنثروبولوجيا بدأت الأثنوغرافيا والأثنولوجيا تقتربان من الأنثروبولوجيا مرة أخرى.
والذي قال بأن الكتاب دراسة أثنولوجية، قال بهذا، نظراً للتداخل بين الأثنوغرافيا والأثنولوجيا. الأثنوغرافيا انفصلت عن الأثنولوجيا في النصف الثاني من القرن الثامن عشر. ويشترك هذان العلمان بأنهما معنيان بدراسة المجتمعات الصغيرة. الأثنوغرافيا تدرس كل مجتمع صغير على حدة دراسة ميدانية. والأثنولوجيا تدرسها دراسة نظرية تحليلية مع المقارنة بين ثقافة وثقافة أخرى.
مرد هذا اللبس والاختلاط في توصيف مادة كتاب «حضارة في طريق الزوال: القرية اللبنانية» توصيفاً دقيقاً أن من كتب عنه عرضاً قصيراً ومن أشاروا إليه إشارة قصيرة كانوا من المثقفين ولم يكونوا من المتخصصين في علم الاجتماع وفي علم الأنثروبولوجيا.
تعرضت المجتمعات العربية في مصر وفي بلدان شمال أفريقيا وفي بلدان الشام منذ أواخر القرن التاسع عشر إلى دراسات أثنوغرافية كان روادها، كما في علوم أخرى، المستشرقون. بعضها عن الدين وبعضها عن المعتقدات الشعبية أو الدين الشعبي.
ففي الدين - على سبيل المثال - تعاون أدولف در مع الأب هنري لامانس في دراسة أثنوغرافية عن الدين النصيري. وألّف هنري غي كتابين عن الدين الدرزي.
وفي المعتقدات الشعبية أو الدين الشعبي كتبت ل. إينزلر عن المعتقدات الفلسطينية كالعين الشريرة. واشتركت مع إ. ابيلا في دراسة عن الاستخدام السحري لأسماء الله الحسنى. وكتب جولدزيهر عن العادات التقوية المتعلقة بالقديسين والأولياء.
ولتوفيق كنعان، الطبيب الفلسطيني، دراسات أثنوغرافية عديدة ميدانها المجتمع الفلسطيني، أغلبها باللغة الإنجليزية، والقليل منها باللغة الألمانية نشرها بمجلات استشراقية إنجليزية وألمانية. وقد بدأ هذه الدراسات في أول عقد العشرينات الميلادية. ومن هذه الدراسات «الينابيع المسكونة وعفاريت المياه في فلسطين»، و«الجن في بلاد الإنجيل»، و«اللعنة في الفلكلور الفلسطيني».
في قائمة مراجع كتابه باللغات الأجنبية، عاد أنيس فريحة إلى ست دراسات من دراسات توفيق كنعان. واحدة باللغة الألمانية والأخريات باللغة الإنجليزية.
العربي الآخر الذي رجع إلى كتاب له ضمن هذه القائمة، هو عفيف طنّوس، والكتاب هو كتابه «مجتمع القرية العربية في الشرق الأوسط» الصادر باللغة الإنجليزية عام 1944. وهذا الكتاب يقع من حيث صنفه ضمن نطاق علم الاجتماع الريفي، الذي كان عفيف طنّوس متخصصاً فيه.
امتدح محمد وهبي كتاب أنيس فريحة، فقال: «وبوسعنا اعتبار هذا الكتاب من الكتب الضرورية التي يحتاج إليها الفكر العربي الباحث. وهو في الواقع من أثمن ما يقدم لطلبة علم الاجتماع في بلادنا. والكتاب لا يمثل دراسة بالمعنى العميق للدراسة، من حيث البحث والتحليل والمناقشة والاستنتاج، وإنما قوامه الوصف: فهو يقدم صورة دقيقة مفصلة لشؤون محلية من المجتمع الذي يتناوله، ولذا فهو مادة غزيرة يجد فيها طالب علم الاجتماع ثروة يبني عليها بحثه وتحليله، ولعله أول كتاب عربي يظهر في هذا الباب».
يتضح من قول هذا أنه على غير علم بعلم الأثنوغرافيا، لا اسماً لا مضموناً. فهذا العلم ليس من شأنه التحليل والمناقشة والاستنتاج، وإنما غرضه الوصف المستند إلى بحث ميداني.
يختلف كتاب أنيس فريحة الأثنوغرافي (حضارة في طريق الزوال: القرية اللبنانية) عن الدراسات الأثنوغرافية التي ذكرت بعض الأمثلة لها، بأن غايته خلق هوية قومية لبنانية، ترتكز على طرق العيش وأسلوب الحياة الموروث في القرية.....
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه
هذا المحتوى مقدم من صحيفة الشرق الأوسط
