تعامل الداخل اللبناني مع الكيان الصهيوني.. الحقيقة المُرَّة

جان يعقوب جبور **

يُستخدم تعبير "صهاينة الداخل" في الخطاب السياسي اللبناني بوصفٍ جدليٍّ وحادٍّ للإشارة إلى فئات أو ممارسات تُتَّهم بالتقاطع مع مصالح إسرائيل أو بالتساهل معها، سواء عن قصد أو نتيجة حسابات سلطوية وسياسية داخلية. وهو تعبير مثير للانقسام؛ إذ يراه البعض توصيفًا لوقائع تاريخية مريرة، بينما يعتبره آخرون اتهامًا تعميميًا يُسهم في تعميق الشرخ الداخلي، لكن العودة إلى محطات تاريخية محددة تُظهر أن العلاقة بين الداخل اللبناني والصراع مع إسرائيل لم تكن يومًا خطًا مستقيمًا؛ بل مسارًا معقدًا تداخلت فيه الحرب الأهلية، والتدخلات الإقليمية، والانقسامات الطائفية، وحسابات البقاء.

في أواخر سبعينيات القرن الماضي، ومع تصاعد الحرب الأهلية اللبنانية (1975- 1990)، برزت وقائع تعاون ميداني بين بعض الميليشيات اللبنانية وإسرائيل، خاصة في الجنوب. ففي عام 1976 بدأت اتصالات بين "الجيش اللبناني الحُر" بقيادة سعد حداد وإسرائيل، ليتحوّل لاحقًا إلى "جيش لبنان الجنوبي" الذي تأسس رسميًا عام 1977. هذا التشكيل تلقّى دعمًا عسكريًا ولوجستيًا من إسرائيل، وكان جزءًا من واقع الاحتلال في الجنوب حتى عام 2000، حين انسحبت إسرائيل وانحلّ هذا الجيش، وفرّ عدد من أفراده إلى داخل الأراضي المحتلة.

مع اجتياح إسرائيل للبنان في حزيران/يونيو 1982، دخلت القوات الإسرائيلية إلى بيروت، وحدثت تحولات كبرى في المشهد السياسي. في آب/أغسطس 1982 انتُخب بشير الجميل رئيسًا للجمهورية، بدعم من قوى محلية وعلاقات مع إسرائيل كانت قد بدأت قبل ذلك بسنوات. هذه المرحلة تُعد من أكثر الفترات إثارة للجدل؛ إذ يرى مؤيدو الجميل أنه كان يسعى لإعادة بناء الدولة وإنهاء الفوضى، بينما يرى خصومه أن صعوده ارتبط بتقاطعات مباشرة مع مشروع إسرائيلي في لبنان. اغتياله في 14 أيلول/سبتمبر 1982 حال دون اختبار مسار حُكمه، لكن الفترة القصيرة التي سبقت انتخابه وما رافقها من تنسيق مع إسرائيل بقيت حاضرة في الذاكرة السياسية اللبنانية.

بعد ذلك بأيام، وقعت مجزرة صبرا وشاتيلا (16 18 أيلول/سبتمبر 1982)، التي نفذتها ميليشيات لبنانية في ظل سيطرة الجيش الإسرائيلي على المنطقة. هذه الحادثة شكّلت صدمة أخلاقية وسياسية كبرى، ودفعت لاحقًا إلى تحقيقات دولية ومحلية، وأسهمت في ترسيخ سرديات متعارضة حول المسؤوليات والوقائع. في 17 أيار/مايو 1983، وُقِّع اتفاق بين الحكومة اللبنانية وإسرائيل بوساطة أمريكية، عُرف باتفاق 17 أيار، وكان يهدف إلى تنظيم انسحاب إسرائيلي مقابل ترتيبات أمنية. إلّا أن الاتفاق سقط في عام 1984 تحت ضغط قوى داخلية ورفض سوري، ما عكس هشاشة التوازنات الداخلية وعدم القدرة على فرض خيار واحد على مُجمل اللبنانيين.

خلال التسعينيات، وبعد انتهاء الحرب الأهلية باتفاق الطائف (1989)، استمر الاحتلال الإسرائيلي لجزء من الجنوب حتى عام 2000. في تلك الفترة، ظلّ ملف التعامل مع إسرائيل حاضرًا في القضاء والإعلام؛ حيث أُحيل عدد من الأشخاص إلى المحاكمة بتهم "التعامل مع إسرائيل"، وهو ما رسّخ استخدام توصيفات تخوينية في الحياة السياسية. ومع انسحاب إسرائيل في أيار/مايو 2000، بدا أن صفحة الاحتلال طُويت، لكن الصراع لم ينتهِ. حرب تموز/يوليو 2006 أعادت وضع لبنان في قلب المواجهة، وأظهرت مجددًا انقسامًا داخليًا حول سلاح المقاومة ودور الدولة. في هذه المرحلة، عاد خطاب التخوين بقوة؛ حيث اتهمت أطرافٌ داخلية بعضها البعض إما بخدمة أجندات خارجية معادية لإسرائيل أو بالعكس، بجرّ البلاد إلى حروب لا قرار وطني جامع عليها.

في السنوات اللاحقة، ومع الأزمات الاقتصادية والسياسية التي تفاقمت منذ 2019، توسّع استخدام المصطلحات الاتهامية في الخطاب العام،.....

لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه


هذا المحتوى مقدم من صحيفة الرؤية العمانية

إقرأ على الموقع الرسمي


المزيد من صحيفة الرؤية العمانية

منذ 3 ساعات
منذ 8 ساعات
منذ 20 دقيقة
منذ 5 ساعات
منذ ساعة
منذ ساعة
صحيفة الشبيبة منذ 5 ساعات
صحيفة الرؤية العمانية منذ ساعتين
صحيفة الرؤية العمانية منذ 11 ساعة
إذاعة الوصال منذ 6 ساعات
وكالة الأنباء العمانية منذ 7 ساعات
صحيفة أثير الإلكترونية منذ 5 ساعات
وكالة الأنباء العمانية منذ ساعتين
صحيفة الرؤية العمانية منذ 54 دقيقة