انعقد يوم الخميس الماضي مجلس وزاري لن يتكرر مثله في عهد حكومة أخنوش، وقد تكون هذه خلاصات الجهات العليا، بعد أن أشرف عمر الحكومة على نهايته دون أن تحقق الكثير من الأهداف المتوخاة(..)، وبغض النظر عما قدمه وزير الفلاحة من تطمينات حول الموسم الفلاحي، والقطيع الوطني.. فقد كان لافتا للانتباه العرض الذي قدمه وزير الداخلية عبد الوافي لفتيت، وقد تميز هذا العرض المصادق عليه من لدن مجلس يترأسه الملك محمد السادس شخصيا، باستعمال الوزير لمفردات تعود لزمن الدولة المركزية ، حيث لا صوت يعلو على صوت وزارة الداخلية.. كيف لا والوزير يقول ويلتزم أمام الملك بتعبئة مبلغ 210 ملايير درهم داخل أجل 8 سنوات، أي ما يعادل عمر حكومتين متتاليتين، وذلك لتنفيذ ما سمي الجيل الجديد من برامج التنمية الترابية المندمجة ، التي قال عنها وزير الداخلية أنها ((تعتمد على مقاربة جديدة تستمد أولويات البرامج من الاحتياجات المعبر عنها محليا من قبل المواطنات والمواطنين، وذلك تنفيذا للتوجيهات السديدة لجلالة الملك، الواردة في عدد من الخطب الملكية السامية)) حسب قول الوزير.
إعداد: سعيد الريحاني
نحن إذن، أمام أكبر اجتهاد وزاري في عهد الوزير عبد الوافي لفتيت، لكن هذا الاجتهاد سيصطدم حتما بالمعطيات التي يقدمها رجال القانون، فضلا عن المواطنين؛ فإذا كانت وزارة الداخلية ناجحة في الاستماع الميداني إلى مطالب المواطنين، وقادرة على التفاعل معهم مباشرة، فما هو دور الأحزاب؟ وما دور الانتخابات؟ ولماذا يأتي المنتخبون ليقولوا للمواطنين أن لديهم برامج انتخابية تنموية؟ هل يكذب المنتخبون، أم يبررون، أم ماذا يفعلون.. ؟
لا شك أن السؤال المطروح اليوم، بعد صدور بلاغ الديوان الملكي، هو هل نحن أمام تراجع عن مشروع الجهوية الموسعة؟ هل نحن أمام عودة إلى الدولة المركزية كما جرى العرف بذلك في القانون الإداري، وهي دولة مختلفة عن الدولة اللامركزية ؟ هل نحن أمام تراجع عن العملية الديمقراطية التي تساوي الماكياج الذي تتزين به كافة الدول في مختلف المحافل ؟
الموضوع من الناحية القانونية قد يبدو مستعصيا، وقد يوفر مرتعا خصبا للصيد في الماء العكر، خاصة عندما يغيب عن المحلل عنصر الوطنية ، لكن رجل قانون متوازن فضل شرح الأمور بطريقته لـ الأسبوع حيث قال: ((ليس من الدقة أن يُقرأ موضوع الجيل الجديد لبرامج التنمية الترابية المندمجة كأنه مجرد ورش إضافي في جدول الإصلاحات التي تقوم بها الدولة؛ فالموضوع، في العمق، يتجاوز لغة البرامج إلى سؤال أكبر: ماذا يعني أن تعود الدولة اليوم إلى الإمساك الأقوى بالتراب، من دون أن تعلن التراجع عن الجهوية المتقدمة؟ ولماذا جرى هذا التدخل بهذه الصيغة بالذات، وفي هذا التوقيت بالذات؟ فخطاب العرش لسنة 2025 كان واضحا حين دعا إلى اعتماد جيل جديد من برامج التنمية الترابية، يرتكز على تثمين الخصوصيات المحلية، وترسيخ الجهوية المتقدمة، والتكامل والتضامن بين المجالات، ثم جاء المجلس الوزاري الأخير ليحول هذا التوجه إلى هندسة حكامة دقيقة، يقف في قلبها وزير الداخلية، والعامل، والوالي، مع لجنة وطنية برئاسة رئيس الحكومة، وبالتوازي مع تعديل القانون التنظيمي المتعلق بالجهات فيما يخص التنفيذ والاختصاصات والموارد. هنا بالضبط يبدأ السؤال الحقيقي))..
السؤال واضح: هل أخطأت الدولة في الاعتماد على الجهوية؟ الجواب على لسان نفس المصدر، حيث يقول: ((الراجح أن الدولة لا تقول هنا إن الجهوية كانت خطئا، ولا إنها بصدد التراجع عنها، بل تقول شيئا أدق: الرؤية ما تزال قائمة، لكن طريقة حملها لم تعد كافية، وهذا مهم جدا، لأن الدولة لم تفتح نقاشا حول تغيير الخيار الدستوري، ولم تلغ الجهة، ولم تعلن نهاية برامج التنمية الجهوية التي يفترض أنه يجري تنفيذها، لكنها في المقابل قررت أن تعيد ترتيب من يقود، ومن يشرف، ومن يتابع، ومن يضمن التنفيذ. بمعنى آخر: لسنا أمام تصحيح للمشروع بقدر ما نحن أمام تصحيح للحامل، أي النخب الحزبية التي تدبر المجالس الجهوية؛ فالمشكل، كما يبدو من الصيغة التي جرى اعتمادها، ليس في غياب الفكرة، بل في محدودية وعجز من يحملها داخل التراب، وبالسرعة والاتساق المطلوبين))، ويوضح نفس المصدر: ((هنا تبرز دلالة ثانية لا تقل أهمية: الدولة لم تكتف هذه المرة بتوسيع الأدوات أو تحسين التنسيق، بل أعادت تقوية حضور السلسلة الترابية والإدارية التابعة لها؛ فالعامل لم يعد مجرد ممثل إداري جانبي، والوالي لم يعد فقط إطار تنسيق عام، بل أصبحا في صلب المعمار الجديد، وهذا يعني أن الدولة، حين شعرت بأن الكلفة المترتبة عن عجز ومحدودية النخب المنتخبة ارتفعت، لم تنتظر أن تصلح الأحزاب والنخب المنتخبة نفسها من داخلها، بل ذهبت إلى الجهاز الذي تعتبره أكثر قدرة على الانتشار الميداني، وضبط التنفيذ، وتجميع المعطيات، وتسريع الإيقاع، والرسالة هنا ليست بالضرورة ضد المنتخبين أو ضد الجهة، لكنها بالتأكيد رسالة تقول إن الدولة لم تعد تريد ترك بعض الأوراش الحساسة رهينة الإيقاع نفسه الذي كان سائدا.. وهذا يقود مباشرة إلى سؤال النخب التي تمسك بالقرار العمومي وتدبر الجهات.. هل تدخل الدولة هنا هو، بشكل غير مباشر، جواب على محدودية وعجز هذه النخب؟ ربما لا ينبغي الذهاب إلى صيغة حادة من قبيل سحب الثقة بشكل مباشر، لكن من الصعب أيضا تجاهل الإشارة الواضحة التي تحملها الصيغة الجديدة؛ فعندما يُعاد وضع وزارة الداخلية، والعامل، والوالي، في قلب هذا الورش، فهذا يعني على الأقل أن الدولة لم تعد تريد ترك هذه الأوراش الحساسة تسير فقط بالإيقاع الحكومي أو الجهوي المعتاد، وهذا لا يعني اتهاما مباشرا للنخب المنتخبة أو للجهات بالعجز المطلق، لكنه يعني أن الدولة رأت أن هذه النخب، كما هي، لا تكفي وحدها لضمان السرعة والالتقائية وتحقيق ما هو مرجو من اعتماد الخيار الجهوي، ويقوي هذا المعنى ما سبق أن سجله المجلس الأعلى للحسابات بخصوص تفعيل الجهوية المتقدمة، حين أشار إلى الحاجة إلى تجويد الوظيفة التخطيطية للجهات واعتماد برامج تنموية واقعية وقابلة للتنفيذ، مبرزا أن التنفيذ المادي لمشاريع برامج التنمية الجهوية للفترة 2015-2021، لم يتجاوز 36 %، بما يعادل 11 % فقط من كلفتها الإجمالية التوقعية. هذه المعطيات لا تعني فشل الجهوية من حيث المبدأ، لكنها تعني بوضوح أن النخب الحزبية التي تدبرها، ظلت أضعف من السقف الذي فُتح لها.
لكن هل نحن أمام عودة للمركز؟ نعم، ولكن ليس بالمعنى السهل الذي يوحي بأن المغرب عاد ببساطة إلى ما قبل الجهوية.. نحن أمام عودة نوع محدد من المركز: المركز الترابي-الإداري أكثر من المركز الحكومي-السياسي؛ فرئيس الحكومة حاضر في القمة كما يبدو من العرض الذي قدمه وزير الداخلية أمام جلالة الملك، وكما هو منشور في بلاغ المجلس الوزاري، لكن وزارة الداخلية هي التي ظهرت في قلب البناء والإشراف العملي، وهذا فارق مهم، لأنه يقول إن الدولة لا تستدعي المركز بشكل عام، بل تستدعي الجهاز الذي تعتبره الأقدر على تقليص كلفة البطء، والبطء هنا ليس مجرد تأخر إداري، بل استنزاف لزمن وطني لم يعد يسمح بترك ملفات مثل الفوارق المجالية، والتشغيل المحلي، والخدمات الأساسية، والماء، والتأهيل الترابي.. تتراكم ببطء داخل قنوات لا تنتج بالضرورة الأثر المطلوب، وهذا المعنى حاضر بوضوح في خطاب العرش نفسه، كما حضر لاحقا في المجلس الوزاري.
لهذا تبدو القراءة الأرجح هي التالية: الدولة لا تتراجع عن خيار الجهوية، ولا تعلن القطيعة معها، لكنها لا تريد أيضا أن يبقى المشروع الجهوي رهين محدودية وعجز النخب التي تدبرها. بعبارة أبسط: ما يقع اليوم أقرب إلى إنقاذ المشروع عبر إعادة تأطير من يحمله، وهذه هي الفرضية الأكثر إقناعا، لأنها تسمح بفهم لماذا جرى الحفاظ على الجهة في النص والمرجعية، وفي الوقت نفسه جرى تطويقها بهندسة أقوى في التنفيذ والإشراف. إننا أمام دولة تقول، عمليا، إن الجهوية باقية لكن لا بد من رفع قدرتها على الإنجاز، أو على الأقل لا بد من منع تعثرها من أن يتحول إلى عبء أكبر على البلاد)) (كل الفقرات سالفة الذكر جاءت على لسان مصدر الأسبوع ).
الخلاصة: ((لا يبدو أن الجيل الجديد لبرامج التنمية الترابية يمكن فهمه فقط من داخل لغة التنمية أو الحكامة أو التعمير الترابي؛ فما جرى يفتح سؤالا أوسع بكثير: كيف تتصرف الدولة حين ترى أن أوراشا حساسة لم تعد تحتمل الإيقاع نفسه، وأن النخب القائمة، السياسية والمؤسساتية والترابية، لا تكفي وحدها لضمان الترجمة وتحسين حياة المواطنين؟ من هذه الزاوية، لا يبدو تدخل الدولة نفيا للجهوية، ولا مجرد عودة بسيطة إلى المركز، بل أقرب إلى محاولة لإعادة ضبط العلاقة بين المشروع والحامل، وبين الرؤية والتنفيذ، وبين الزمن المطلوب والزمن الذي تتيحه المجالس المنتخبة القائمة)) (نفس المصدر).
مصدر الأسبوع عاد إلى سنة 2017 ليعقد مقارنة مع اليوم حيث قال: ((حين أدى افتحاص المجلس الأعلى للحسابات إلى قرارات تأديبية صريحة شملت إعفاء وزراء ومسؤولين كبار (محمد حصاد ونبيل بنعبد الله ورشيد بلمختار ولحسن حداد والحسين الوردي وآخرين..)، بالإضافة إلى التعبير عن عدم رضى جلالة الملك تجاه مسؤولين آخرين (انظر بلاغ الديوان الملكي الذي صدر في ذلك الوقت)، فإن الفرق بين الحالتين مهم: في الأولى؛ تتدخل الدولة لتصحيح أعطاب النخب الجهوية وهي تدبر ورشا يعلق عليه البلد آمالا عريضة، ولكن من داخل الإطار الدستوري القائم. وفي الثانية؛ تدخلت لمعاقبة التعثر والاستهتار بعد أن بلغ حدا استدعى المساءلة المباشرة، وكان السياق آنذاك هو سياق حراك الريف (ملاحظة: المشروع قدمه إلياس العماري أمام الملك عندما كان رئيسا لجهة طنجة)، ومن هنا، فإن موضوع الجيل الجديد لبرامج التنمية الترابية لا يخص التنمية المجالية فقط، بل يمس أيضا صورة الدولة، وحدود النخب، وطبيعة الجهوية المغربية، والمعنى السياسي لارتفاع كلفة البطء في المغرب اليوم)).
هذا المحتوى مقدم من صحيفة الأسبوع الصحفي
