ابن قُزمان.. إمام الزجالين في الأندلس وصوت العامية في الحضارة الإسلامية

في رحاب قرطبة حيث ازدهرت حضارة الأندلس، بزغ نجم أبو بكر بن قزمان، لا كشاعر وحسب بل كثورة أدبية كسرت قيود الإعراب، وعانقت لغة الشعب، إننا لا نقف هنا أمام ديوان شعر، بل أمام وثيقة اجتماعية فنية صاغها إمام الزجالين باللغة الدارجة الأندلسية، ممزوجة بجرأة الغزل وروح الدعابة التي خلدت اسمه في سجلات الأدب الإنساني، جعل من الزجل مرآة لعصره، ومن العامية فنًا يُضاهي الفصيح بلاغة وسحرًا.

يعد أبو بكر محمد بن عيسى بن عبد الملك بن قزمان (ت 555هـ / 1160م) واحداً من أبرز شعراء الأندلس، لا بل إمام الزجالين الذين نقلوا الأدب من حيز الفصحى المتكلفة إلى رحاب العامية الأندلسية النابض بالحياة، عاش ابن قزمان حياة صاخبة، وطبعت شعره بطابع فريد؛ ليصبح ديوانه "إصابة الأغراض في ذكر الأعراض" وثيقة تاريخية واجتماعية لأندلس القرن السادس الهجري.

حياته ونشأته هو محمد بن عيسى بن عبد الملك بن عيسى الزهري القرطبي أبو بكر المعروف بابن قُزْمان، شاعر وزجال من أشهر الزجالين بالأندلس، نشأ في بيت سيادة من بيوت قرطبة، فلم يزل أهله بين عالم ووزير،,وقد عُرف اثنان باسم ابن قُزمان؛ هذا وعمُّه محمد بن عبد الملك الوزير كاتب المتوكل آخر أمراء بني الأفْطس في بطليوس، ومما يُذكر أن المقري صـاحب موسوعة «نفح الطيب من غصن الأندلس الرطيب» قد خلط بينه وبين عمه محمد بن عبد الملك؛ وسار على نهجه هذا بعض المحدثين منهم سيبولد في دائرة المعارف، وقد لقَّبه ابن بسَّـام بابن قزمان الأصغر تمييزاً له من عمه.

وُلد ابن قزمان في قرطبة حوالي سنة 480هـ، ونشأ في أسرة أندلسية عريقة وعلمية، اشتهرت بين عالم ووزير ورئيس، وعاش معظم حياته في عصر المرابطين، وهي فترة شهدت نوع من التذبذب في رعاية الفنون، لكنها كانت مسرح لاذدهار الفنون الشعبية.

عُرف عن ابن قزمان أنه كان أشقر أزرق العينين، كبير البطن، مع ميل للهو والمجون والشراب، وكانت فلسفته في الحياة قائمة على السعي وراء المتاع والمال، مدفوعاً بذكاء فطري وقدرة فائقة على النظم.

إسهامات ابن قُزمان في الأدب والحضارة الإسلامية لم تكن إسهامات ابن قزمان محصورة في النظم الشعري فحسب، بل امتدت لتشمل جوانب ثقافية ولغوية حضارية.

1- تطوير فن الزجل:

أحدث ابن قزمان ثورة هائلة في الشعر الأندلسي بنقله من التقيّد ببحور الشعر العربي الفصيح إلى الزجل الذي يعتمد العامية الأندلسية، ولهذا قال قولته الشهيرة "جرَّدت فنِّي من الإعراب كما يُجَرَّدُ السَّيف من القِراب"، وبهذه العبارة لخص ابن قزمان منهجه في التحرر من التقعر النحوي لتسهيل إيصال الشعر إلى عامة الناس، حيث أدخل الرقص والغناء في مجالس الزجل؛ مما جعل شعره فناً حياً وشعبيا.

وهنا نجد ملمح التغيير ينصب على عدة محاور أساسية، تكمن في التالي:

ـ اللغة: استخدم ابن قزمان «العامية الأندلسية» المُطعمة ببعض الألفاظ الأعجمية (الرومانسية اللاتينية)، لكنه صاغها بتركيب شعري متقن يضاهي الفصحى في قوته.

ـ البنية: التزم ببنية الزجل التقليدية (المطلع، الأغصان، الأسمطة، والخرجة)، لكنه أضاف إليها حيوية وقدرة فائقة على التصوير.

ـ الإيقاع: كانت أزجاله مبنية لتُغنى؛ لذا فهي تمتاز بموسيقى داخلية صاخبة وتنوع في القوافي يكسر رتابة القصيدة العمودية.

2- توثيق الحياة الاجتماعية والاقتصادية:

تعد أزجال ابن قزمان مرآة حقيقية لعصره؛ فقد وصف الملابس، الأطعمة، والأسواق، والحرف، والمعاملات التجارية، وحتى اللهو ومجالس الأنس والطرب؛ مما يوفر مادة خام للمؤرخين الاجتماعيين، وبهذا فقد نقل صوراً دقيقة من واقع العامية الأندلسية، ممزوجة بكلمات أعجمية؛ مما يظهر التمازج الثقافي في الأندلس.

ورغم أن ابن قزمان عاش في ظل سيطرة المرابطين على الأندلس، لكنه عكس روح المجتمع الأندلسي في عصر المرابطين بجرأة نادرة، حيث نجد أن ديوانه يضم الآتي:

ـ الغزل والمجون: اشتهر بوصف مجالس اللهو والطرب، وكان يُميل إلى الواقعية الشديدة والتحرر من القيود التقليدية في التعبير عن مشاعره.

ـ المديح: رغم كونه "زجالاً"، إلا أنه مدح أعيان الدولة وقضاتها بأسلوب يجمع بين التبجيل الشعبي والذكاء اللغوي.

ـ الوصف: برع في وصف الطبيعة الأندلسية، والاحتفالات العامة (مثل يوم المهرجان)، وهذا ما جعل من ديوانه مرجعاً "سوسيولوجياً" للحياة اليومية في الأندلس.

3ـ ابن قزمان والهوية الأندلسية

يُمثل ابن قزمان «صوت الشارع» الأندلسي؛ ففي الوقت الذي كان فيه الشعراء يتنافسون في تقليد المشارقة (شعراء بغداد والشام)، قرر هو أن يكتب بلغة الناس التي يسمعها في أسواق قرطبة وأزقتها، وكان يفتخر.....

لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه


هذا المحتوى مقدم من بوابة الأهرام

إقرأ على الموقع الرسمي


المزيد من بوابة الأهرام

منذ ساعتين
منذ ساعة
منذ 8 ساعات
منذ ساعتين
منذ 57 دقيقة
منذ 11 ساعة
صحيفة الدستور المصرية منذ 12 ساعة
صحيفة اليوم السابع منذ 10 ساعات
موقع صدى البلد منذ 11 ساعة
صحيفة اليوم السابع منذ 18 ساعة
موقع صدى البلد منذ 3 ساعات
صحيفة المصري اليوم منذ 8 ساعات
صحيفة الدستور المصرية منذ 12 ساعة
صحيفة المصري اليوم منذ 18 ساعة