في المساء الذي بدا عادياً فوق نهر الدانوب، كانت المجر تغير جلدها بصمت ثقيل، كأمة أنهكها طول البقاء في صورة واحدة. لم تكن هزيمة فيكتور أوربان مجرد انتقال سلطة، بل انكسار سردية حكمت البلاد ستة عشر عاماً، حتى بدت وكأنها قدرٌ لا يُكسر. ثم كُسر، لا بضـــجيج الشــوارع، بل بتآكل داخلي بلغ لحظة الانكشاف.
جاء بيتر ماغيار بأغلبية دستورية حاسمة 141 مقعداً من أصل 199 تفويضاً لا يتيح له الحكم فحسب، بل إعادة كتابة قواعده. لكن السؤال الأعمق لم يكن كيف فاز، بل لماذا خسر أوربان؟ خلال العامين الأخيرين، تجاوز التضخم في المجر حدود 20% في ذروته، متآكلاً في صمت القدرة الشرائية للطبقة الوسطى، بينما ظلت أكثر من 10 مليارات يورو من أموال الاتحاد الأوروبي مجمدة بسبب مخاوف تتعلق بسيادة القانون. في الوقت نفسه، بات ما يُقدر بنحو 80% من المشهد الإعلامي خاضعاً بشكل مباشر أو غير مباشر لنفوذ السلطة، في فقاعة لم تعد تقنع حتى جمهورها. ثم جاءت حرب أوكرانيا لتضع أوربان في موقع ملتبس، أقرب إلى فلاديمير بوتين منه إلى أوروبا، ففقد توازنه بين الداخل والخارج معاً.
المفارقة أن ماغيار لم يأت من خارج هذا النظام، بل خرج من رحمه. كان جزءاً من دوائره، شاهداً على آلياته، قبل أن يتحول إلى خصمه. ولهذا، لا يقدم نفسه كثائر، بل كمُرمم يعيد التوازن: مكافحة الفساد، استعادة أكثر من عشرة مليارات يورو مجمدة من الاتحاد الأوروبي، وإعادة بناء القضاء والإعلام.
في عهد أوربان، لم تكن الدولة إطاراً محايداً، بل أداة أعيد تشكيلها تدريجياً حتى غدت مؤسساتها امتداداً للسلطة لا رقيباً عليها. ومن هنا، لا يرث ماغيار مؤسسات قابلة للإصلاح، بل بنية صُممت لتقاومه. معركته الأولى لن تكون مع خصومه في البرلمان، بل مع «شكل الدولة» نفسه: أن يفكك دون أن يُسقط، وأن يعيد البناء دون أن يعيد تركيز القوة في يد واحدة. وهي معادلة نادراً ما تنجح، لأن أدوات الإصلاح حين تشتد قد تتحول بسهولة إلى أدوات سيطرة جديدة.
أوروبياً، لم يُقرأ الحدث كفوز معارضة، بل كعودة دولة. داخل الاتحاد الأوروبي، بدا وكأن بودابست تقترب مجدداً من مركز القرار بعد سنوات من الفيتوهات المعطلة. إعادة تدفق الأموال، واحتمال رفع العوائق أمام دعم كييف، تعني أن «العضو المشاغب» قد غادر موقعه. لكن السؤال الأهم يبقى: هل انتهت.....
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه
هذا المحتوى مقدم من صحيفة الخليج الإماراتية
