يعيد العدوان الأميركي - الإسرائيلي على إيران تسليط الضوء على تاريخ العلاقات بين طهران وتل أبيب، منذ فترة حكم الشاه التي شهدت تعاونًا سياسيًا وأمنيًا وعسكريًا واسعًا، في سياق الحرب الباردة والانقسام الدولي بين المعسكرين الأميركي والسوفياتي. ومع قيام الثورة الإسلامية عام 1979 وسقوط نظام الشاه، دخلت العلاقات مرحلة جديدة اتسمت بالقطيعة وتبنّي خطاب معادٍ لإسرائيل وداعم للقضية الفلسطينية، قبل أن تتطور لاحقًا إلى صراع متعدد الأشكال، بدأ بحرب الظل والاغتيالات، وانتهى إلى مواجهات أكثر مباشرة. الشاه... ذاكرة المهانة الدولية تساعدنا العودة إلى أربعينيات القرن العشرين على فهم المنظور الاستراتيجي والسياسي الذي حكم علاقة محمد رضا بهلوي، الشاه، بإسرائيل، في سياق سعيه إلى صياغة سياسة إيرانية تتيح له التقارب مع الولايات المتحدة والقوى الغربية وتعزيز نفوذه في المنطقة.
وجاء ذلك بعد ما اعتبره الشاه مهانة وقعت على أرضه، حين تولّى الحكم شابًا في الرابعة والعشرين من عمره، خلفًا لوالده رضا شاه الذي أُجبر على التنازل عن العرش عقب الاجتياح السوفياتي - البريطاني لإيران عام 1941، في سياق الحرب العالمية الثانية.(1)
وتجلّت تلك المهانة في الاجتماع الثلاثي البريطاني - الأميركي - السوفياتي الذي عُقد في السفارة السوفياتية في طهران، بمشاركة الزعيم السوفياتي جوزيف ستالين، والرئيس الأميركي فرانكلين روزفلت، ورئيس الوزراء البريطاني ونستون تشرشل. وقد اتُّفق خلاله على فتح جبهة ضد النازيين انطلاقًا من الأراضي السوفياتية. ورغم انعقاد الاجتماع على أرض إيران، فإن الشاه لم يُبلَّغ به إلا في اللحظات الأخيرة.(2)
وكان الشاه يشعر بخوف شديد من الاتحاد السوفياتي، وصل إلى حد الرعب، إذ اعتبره مصدر تهديد استراتيجي مباشر لحكمه. وتعزّز هذا الشعور بفعل ما رآه طموحات سوفياتية متزايدة في إيران، خاصة مع اهتمام موسكو بالمناطق الشمالية الغنية بالموارد، ولا سيما النفط، وهو ما أشارت إليه تقارير لخبراء جيولوجيين سوفيات أُرسلوا متخفّين بصفة مستشارين عسكريين عام 1943.
كما عمل الاتحاد السوفياتي على دعم القوى الشيوعية الإيرانية لإعادة تنظيم صفوفها، ودفع باتجاه مشاريع هدفت إلى فصل أذربيجان الجنوبية وبعض المحافظات الشمالية عن إيران، بغرض إنشاء كيان جغرافي وسياسي جديد ذي توجه شيوعي مرتبط بموسكو، بما يضمن تعزيز نفوذها والسيطرة على الثروات الإيرانية. (3)
محمد رضا بهلوي تولّى الحكم شابًا في الرابعة والعشرين من عمره، خلفًا لوالده رضا شاه وخضعت إيران في تلك السنوات أيضًا للهيمنة البريطانية، حيث كان السفير البريطاني بولارد يتدخل على نطاق واسع في الشؤون الداخلية، ويُتهم، وفق بعض الروايات، بإهانة "الأمة الفارسية"، فضلًا عن تأثيره في تعيين كبار المسؤولين، بما في ذلك اختيار رؤساء الحكومات وبعض المناصب العليا.
وفي المقابل، كانت بريطانيا تنظر إلى التمدد السوفياتي في حقول النفط الشمالية بوصفه جزءًا من معادلة توازن القوى، في إطار ما عُرف بسياسة "التوازن الإيجابي"، القائمة على افتراض أن الحفاظ على قدر من النفوذ السوفياتي قد يسهم في حماية المصالح البريطانية في الجنوب.. (4)
وفي هذا السياق، سعى الشاه إلى موازنة النفوذين البريطاني والسوفياتي عبر منح امتيازات لشركات أميركية للعمل في قطاع النفط الإيراني. وقد شكّل هذا المشهد، خلال سنوات الحرب العالمية الثانية وما قبل تشكّل الحرب الباردة، الإطار العام الذي بلور لاحقًا كثيرًا من ملامح السياسة الخارجية للشاه.
بدايات التقارب السري بين الشاه وإسرائيل عارضت إيران قرار التقسيم الذي أصدرته الأمم المتحدة عام 1947، والذي قضى بتقسيم فلسطين إلى دولتين عربية ويهودية، كما عارضت عام 1949 انضمام إسرائيل إلى المنظمة الدولية.
واستند الموقف الإيراني في ذلك الوقت إلى مخاوف سياسية واستراتيجية، أبرزها احتمال أن تنشأ الدولة التي أُقيمت على أنقاض فلسطين وحقوق شعبها في إطار اصطفاف أو تقارب مع الاتحاد السوفياتي، الذي كان يُنظر إليه في العقل السياسي للشاه بوصفه تهديدًا رئيسيًا.
وكان الشاه قد نجح في إخراج القوات السوفياتية من الأراضي الإيرانية بدعم سياسي أميركي، كما أنهى وجود حكومة أذربيجان الشعبية التي أُعلنت في شمال إيران بقيادة جعفر بيشقاري، والمدعومة من موسكو بقيادة جوزيف ستالين.(5)
وقرر الشاه بدء إقامة علاقات غير معلنة مع إسرائيل منذ مطلع خمسينيات القرن العشرين، في إطار سياسة سرية هدفت إلى الحفاظ على توازن دقيق في سياسته الخارجية.
وقد سعى من خلال ذلك إلى تعزيز تقاربه مع القوى الغربية، وفي مقدمتها الولايات المتحدة، بما يتيح له الحصول على أدوات قوة تدعم نظامه وتكرّس موقعه كفاعل إقليمي مؤثر، مع تجنّب في الوقت نفسه إغضاب الدول العربية.
وانحصرت هذه العلاقات بشكل أساسي في مجالات التعاون الاستخباراتي والعسكري، عبر جهاز الاستخبارات الإيراني "السافاك". (6)
وتلقّت كوادر من جهاز الاستخبارات الإيراني تدريبات من نظيرتها الإسرائيلية على تقنيات التحقيق وملاحقة المعارضين، كما جرى تبادل محدود للخبرات العسكرية وبعض المعدات بين الطرفين.
أقام الشاه علاقات غير معلنة مع إسرائيل منذ مطلع خمسينيات القرن العشرين - غيتي وكان من أبرز مجالات التعاون المبكر مشروع خط أنابيب النفط المعروف بـ"إيلات - عسقلان" (7)، الذي ساهمت إيران في تمويل إنشائه عقب اتفاق تم خلال زيارة سرية لممثل شركة النفط الوطنية الإيرانية إلى تل أبيب في صيف عام 1957.
وقد تطوّر المشروع لاحقًا ليصبح خطًا بقطر 16 بوصة بعد مفاوضات مباشرة جرت عام 1958 بين رئيس الحكومة الإسرائيلية ليفي أشكول والشاه. واستفاد الطرفان من هذا المشروع، إذ مكّن إيران من تنويع مسارات تصدير نفطها وتقليل الاعتماد على قناة السويس التي كانت خاضعة للسيطرة المصرية. (8)
السير بين الحبال جمعت النظام الإيراني وإسرائيل آنذاك مخاوف مشتركة من الاتحاد السوفياتي ومن بعض الأنظمة العربية، إلى جانب مصالح اقتصادية وأمنية متقاطعة.
وقد سعى الشاه إلى تعزيز التقارب مع إسرائيل بوصفه جزءًا من مشروعه الاستراتيجي القائم على توثيق العلاقات مع الولايات المتحدة والدول الغربية، إضافة إلى رغبته في الاستفادة من التقنيات العسكرية المتقدمة.
في المقابل، انتهجت إسرائيل سياسة خارجية نشطة امتدت إلى إفريقيا وآسيا والمنطقة، بهدف مواجهة ما اعتبرته تحديات أمنية في محيط عربي معادٍ لها.
كما وُجدت في إيران أن مجموعة كبيرة من اليهود كانوا يعيشون في إيران، وطمحت إسرائيل لتسهيل نقلهم إليها، مع اليهود العراقيين.
وحرص الشاه على إبقاء العلاقة مع إسرائيل في طور السرية، لتجنّب تأزيم العلاقات مع الدول العربية، رغم أنها كانت في الواقع مكشوفة إلى حدّ ما. وفي الوقت نفسه، كان سفر المسؤولين الإيرانيين إلى إسرائيل يتمّ بسرية، وغالبًا ما كان عبر الأراضي التركية من دون ختم جوازات السفر.
كما لم يُعلن عن البعثة الإسرائيلية في طهران بصورة رسمية، ولم يُرفع العلم الإسرائيلي، وتجنّبت الزيارات الفعاليات الدبلوماسية المعتادة. ومع ذلك، كان الممثل يُعرَّف بصفته سفيرًا، وكان وصوله مفتوحًا إلى الشاه، الذي سعى إلى تعزيز العلاقة عبر مشاريع مشتركة، وإشراك خبراء إسرائيليين في مشاريع زراعية وعمرانية، رغم أن بعضهم لم يكن ذا فائدة تُذكر. (9)
في فترة الشاه وجدت إسرائيل مجموعة كبيرة من اليهود كانوا يعيشون في إيران، وطمحت لتسهيل نقلهم إليها، مع اليهود العراقيين ومن الشواهد التي عززت لدى الشاه أهمية سياسة عدم الإفصاح عن علاقاته مع إسرائيل، الغضب والخلاف بين إيران ومصر عام 1960، بعد أن قال الشاه خلال لقاء صحفي إن "إيران اعترفت بحكم الواقع بإسرائيل في 1951 خلال فترة حكومة مصدق".
وواجه الشاه تهديدات مختلفة لمشروعه للهيمنة ولحكمه، بينها حركات المعارضة في الداخل التي كان جزء منها يحمل أيديولوجيا شيوعية ويسارية ومدعومًا من الاتحاد السوفييتي. وعلى حدوده، كان العراق يمثّل عدوًا، قبل أن يتجه إلى عقد اتفاق الجزائر معه، وهو ما أثار خيبة إسرائيلية حينها، وأوقف الدعم العسكري الإيراني - الإسرائيلي المشترك للحركات الكردية التي نشطت ضد النظام العراقي.
طموح الهيمنة ودعم إسرائيل في حرب 1973 حظي النظام الإيراني بعلاقات متينة مع الولايات المتحدة، التي قرر رئيسها ريتشارد نيكسون، في عام 1972، منح إيران حرية واسعة في اقتناء وشراء المعدات العسكرية الأميركية، ما جعل النظام الإيراني في تلك السنوات أحد أبرز القوى في مواجهة الاتحاد السوفييتي في المنطقة. (10)
وحرص الشاه، في سبيل الحفاظ على تفوقه على كل القوى في المنطقة، بما فيها إسرائيل، على ألا يحقق أي طرف نصرًا ساحقًا على الآخر، وألا ينجرّ إلى حرب كبيرة تجلب القوى الكبرى إلى المنطقة وتُهدد نفوذه. ويؤكد على ذلك الملحق العسكري الإسرائيلي السابق في إيران، يتسحاق سغيف، بقوله: "كان الشاه ذكيًا جدًا. بمجرد أن اكتشف أن جميع الدول العربية عدائية تجاه إسرائيل، كان من الجيد جدًا له أن يستمر في دفع العرب للعداء مع إسرائيل.. إسرائيل كانت الموضوع الذي سيأخذ كل غضب العرب بعيدًا عن إيران". (11)
وتجلّت هذه السياسة خلال حرب أكتوبر 1973، حين قدّمت إيران دعمًا في نقل المعدات العسكرية إلى بعض القوى العربية عبر أجوائها، كما نقلت جرحى سوريين وغيرها من الإجراءات، خاصة بعد تحسّن علاقاتها مع مصر في عهد الرئيس أنور السادات. وفي الوقت ذاته، رفض الشاه الانضمام إلى القرار العربي بفرض حصار نفطي على إسرائيل، واستمر في تزويدها بالنفط إلى جانب بعض المعدات العسكرية مثل مدافع الهاون الثقيلة. (12)
وفي توصيف العلاقة، كانت حاجة الطرفين قائمة على مصالح مختلفة ومشتركة في الوقت نفسه؛ فالشاه كان يتحرك ضمن مشروعه لتعزيز الهيمنة الإقليمية، بينما كانت إسرائيل بحاجة إلى توسيع علاقاتها الخارجية في بيئة إقليمية معادية. لذلك، سعى الطرفان إلى مواجهة النفوذ السوفييتي والدول العربية، مع تطوير تعاون في مجالات عسكرية وأمنية واستخباراتية واقتصادية. (13)
ماذا يقول الأرشيف الإسرائيلي؟ تساعد العودة إلى وثائق وزارة الخارجية الإسرائيلية حول العلاقات مع إيران، والتي سُمح بالكشف عنها عام 2019، في فهم طبيعة العلاقة بين الطرفين، وكيف نظرت إسرائيل إلى النظام الإيراني، وإلى آليات سيطرته على الدولة، وصولًا إلى أحداث الثورة التي أطاحت به. (14)
في رسالة مؤرخة في 5 أيار/ مايو 1965، قال السفير الإسرائيلي في طهران مائير عزري إن وزير الخارجية الإيراني عباس آرام اشتكى من "الطابع العلني" للأنشطة الإسرائيلية في إيران، معتبرًا أنها قد "تضر بالعلاقة الإيرانية مع الدول العربية". وردّ السفير الإسرائيلي بأن:
"مصلحة إسرائيل العامة في الشرق الأوسط تكمن في وجود إيران ذات سيادة ومزدهرة بقيادة الشاه، الذي يُعتبر صديقًا لإسرائيل (..) لا نعتقد أن العرب سيصادقون إيران مهما بذلت من جهود. إن صداقتنا تُلزمنا بإطلاع إيران على ما نعرفه عن الجهود العربية الرامية إلى حماية مصالحها الحيوية". (15)
وفي برقية داخلية تعود إلى 23 شباط/فبراير 1966، أوضح مدير إدارة الشرق الأوسط في وزارة الخارجية.....
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه
هذا المحتوى مقدم من التلفزيون العربي


