صراع النظرية والتطبيق في صناعة الأجيال (6 -7). د. عبدالله بن سليمان المفرجي

د. عبدالله بن سليمان المفرجي

بعد أن استعرضنا بعض سبل الإصلاح التربوي والتقني، يبقى سؤال أخير لا تقوم أي إصلاحات بدونه ولا تنهض أي تحول دونه: كيف نضمن للمعلمين والمعلمات في مدارسنا، وللأكاديميين في جامعاتنا، حياة كريمة تحفزهم على العطاء والابتكار والبذل المتواصل والإبداع المستمر، وتقديرًا يليق بمكانة صانع الأجيال؟ مُربّي النشء باني العقول، وساقي القيم، الذين يزرعون في الأرض الصغيرة بذورًا، لتورق رجالًا يحملون الغد؛ فهُم الركيزة الأساسية في بناء الأجيال، والمسؤولون عن تنمية القيم والأخلاق والمعارف والمهارات لدى المتعلمين. لذلك لا بُد من العناية بقضية الحوافز والأجور للمعلمين، تلك القضية التي طالما أهملت في خطط التطوير والتنمية، أو عولجت بوصفات إسعافية سريعة لا تشفي الغليل ولا تضمد الجراج بعد نزيفه العميق.

فما قيمة أي إصلاح تربوي إذا ظل المعلم يعاني من ضنك العيش، وتدني الدخل والشعور بالفاقة والذي يعتبر قيدٌ خفي قد يُكبّل الروح والعقل، وحبلٌ خفي يربط القلب بالصبْر، فلا ينكشف سر النور إلا لمن عاش ظلالها وتعلم من صمتها المطبق دروس العزيمة والإباء. فالحرمان يجعل المعلم يتطلع إلى مهن أخرى توفر له ما لا توفره له مهنته الشريفة الجليلة؟ وما جدوى الحديث عن استقطاب المتميزين إلى كليات التربية إذا كانت هذه الكليات تخرجهم إلى سوق عمل لا يقدرهم ولا يكافئهم؟

لقد آن الأوان أن نعترف بحقيقة صارخة ومناشدة جريئة: لا يمكن أن ينتج تعليم جيد في بلد لا يقدر معلميه تقديرًا حقيقيًا فعليًا، ولا يمكن أن نطلب من المعلم أن يؤدي رسالته النبيلة على أكمل وجه وهو يعيش في ظروف مادية صعبة تلهيه عن رسالته الأصلية، وتدفعه إلى البحث عن عمل إضافي يستهلك وقته وجهدَه. إن المعلم الذي لا يجد ما يكفيه من دخل يومي، يضطره للعمل في وظيفتين أو ثلاث أو حتى أربع تملأ حياته ووقته ليل نهار، فلا يمكن أن يكون معلمًا مبدعًا مبتكرا، ولا أن يبذل الجهد المطلوب في إعداد دروسه ومتابعة طلابه بكل تفانٍ واقتدار. وبذلك تضيع الأجيال وتبدد الطاقات وستنزف الجهود. وقد أظهرت بعض الدراسات الاقتصادية أنَّ هناك علاقة طردية بين تحسين أوضاع المعلمين المادية وجودة التعليم، وأن الدول التي استثمرت في معلميها استثمارًا حقيقيًا وفعلياً كانت هي الدول التي تصدرت مؤشرات التعليم العالمية في معايير الجودة التعليمية (OECD, 2024). ففنلندا التي تعتبر نموذجًا عالميًا في التعليم، تضع أجور المعلمين في مستويات تنافسية مع المهن العليا الأخرى، وتجعل من مهنة التعليم مهنة مرموقة اجتماعيًا وماديًا مجزية، مما يجذب إليها أفضل الكفاءات من خريجي الجامعات.

إنَّ معالجة قضية أجور المعلمين لا بد أن تكون على مستويين وفق خطط استراتيجيات مدروسة: مستوى المعلمين في مدارس التعليم العام، ومستوى الأكاديميين في مؤسسات التعليم العالي، وخاصة في كليات التربية التي تعاني من عزوف بعض المتميزين عنها. فبالنسبة لمعلمي التعليم العام، لا بد من إعادة هيكلة سلم الرواتب بشكل يجعل دخولهم تنافسية مع المهن الأخرى التي تتطلب مؤهلات مماثلة، وأن ترتبط الزيادات بالتطوير المهني المستمر وتحسين الأداء، لا بالأقدمية فقط. ويمكن الاستفادة من تجارب دول رائدة في الميدان مثل سنغافورة التي طبقت نظام "المعلم المتخصص"؛ حيث يمكن للمعلم أن يتدرج في مساره المهني الوظيفي عبر مسارات متعددة ومتنوعة: مسار أكاديمي يركز على التدريس والتطوير المهني، ومسار قيادي يتجه نحو الإدارة المدرسية، ومسار بحثي يركز على الابتكار والبحث التربوي. وفي كل مسار، يحصل المعلم على حوافز مادية تتناسب مع تطوره المهني وإسهاماته.

أما بالنسبة لأعضاء هيئة التدريس في كليات التربية، فإنَّ الوضع لا يقل خطورة، وسوءُ التدبير يزيده تفاقمًا. وعمقا في.....

لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه


هذا المحتوى مقدم من صحيفة الرؤية العمانية

إقرأ على الموقع الرسمي


المزيد من صحيفة الرؤية العمانية

منذ 6 ساعات
منذ 6 ساعات
منذ 5 ساعات
منذ 8 ساعات
منذ 8 ساعات
منذ 8 ساعات
وكالة الأنباء العمانية منذ 15 ساعة
وكالة الأنباء العمانية منذ 14 ساعة
صحيفة الرؤية العمانية منذ 19 ساعة
صحيفة الشبيبة منذ 19 ساعة
صحيفة الشبيبة منذ 15 ساعة
إذاعة الوصال منذ 4 ساعات
صحيفة الشبيبة منذ 13 ساعة
صحيفة الرؤية العمانية منذ 10 ساعات