ولعلّ أخطر ما استند إليه الخوارج في حكمهم هذا هو فهمهم الحرفي لقوله تعالى: ﴿إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ﴾، حيث جعلوا هذه الآية أصلاً في إنكار التحكيم البشري، وعدّوا قبول علي بن أبي طالب رضي الله عنه بالتحكيم خروجاً عن حكم الله، مع أن

ولعلّ أخطر ما استند إليه الخوارج في حكمهم هذا هو فهمهم الحرفي لقوله تعالى: ﴿إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ﴾، حيث جعلوا هذه الآية أصلاً في إنكار التحكيم البشري، وعدّوا قبول علي بن أبي طالب رضي الله عنه بالتحكيم خروجاً عن حكم الله، مع أن الآية في سياقها القرآني تتحدث عن توحيد الحاكمية لله من حيث التشريع والمرجعية، لا عن منع الاجتهاد أو التحكيم في النزاعات. وهنا يتجلى الخلل المنهجي في اقتطاع النص من سياقه، وتحويله إلى شعار صدامي يُكفَّر به المخالف.

لقد رفع الخوارج شعارهم الشهير "لا حكم إلا لله"، وهو في ظاهره حق لا مرية فيه، غير أنهم أرادوا به باطلاً حين أخرجوه من سياقه، وجعلوه ذريعة لتكفير المخالفين واستباحة الدماء. إنّ الإشكال الجوهري في فقههم لم يكن في النص ذاته، بل في طريقة التعامل معه؛ حيث تمّ تجريده من سياقاته، وفُصل عن مقاصده الكلية، وغُيّبت عنه شروط الفهم السليم من لغةٍ، وأسباب نزول، وسياقٍ تاريخي، ومآلات تطبيق.

وقد تصدّى لهم الصحابي الجليل عبد الله بن عباس رضي الله عنه، في مناظرة تعدّ من أعمق النماذج في تصحيح الانحراف الفكري بالحجة والبرهان، لا بالسيف والإقصاء. فقد دخل عليهم وحاورهم بمنهج علمي رصين، مبيناً لهم أن القرآن لا يُفهم بالهوى ولا بالاجتزاء، بل بجمع النصوص وردّ بعضها إلى بعض. ومن جملة ما احتجّ به عليهم أنه بيّن مشروعية التحكيم من القرآن نفسه، مستدلاً بقوله تعالى في شأن النزاعات الأسرية: ﴿فَابْعَثُوا حَكَمًا مِّنْ أَهْلِهِ وَحَكَمًا مِّنْ أَهْلِهَا﴾، فإذا جاز التحكيم في شأن أسرة، فهو في شأن الأمة أولى، وبذلك كشف تناقضهم في الاستدلال.

كما أوضح لهم عبد الله بن عباس أن قبول علي بن أبي طالب رضي الله عنه للتحكيم لم يكن رفضاً لحكم الله، بل اجتهاداً سياسياً لحقن الدماء ودرء الفتنة، وهو مقصد عظيم من مقاصد الشريعة. وقد أثمرت هذه المناظرة رجوع عدد كبير منهم عن غلوّهم، وهو ما يؤكد أن الانحراف لم يكن في النص، بل في الفهم.

إنّ المدرسة الخارجيّة قامت على منهج حرفي جامد، يرفض التأويل، ويقصي الاجتهاد المقاصدي، ويُعلي من شأن النص الجزئي على حساب الكلي. وهذا ما جعلهم يقعون في تناقضات خطيرة؛ إذ كفّروا كبار الصحابة، وقاتلوا المسلمين، بينما تركوا غيرهم من أعداء الأمة. لقد كانت رؤيتهم للدين قائمة على ثنائية صارمة: إيمان مطلق أو كفر مطلق، دون اعتبار لمنازل الناس، أو تعقيد الواقع، أو مقاصد الشريعة في حفظ النفس والدين والعقل.

من منظور مقاصدي، فإنّ الشريعة الإسلامية لم تُنزّل لتكون مجرد نصوص تُتلى، بل لتكون هداية شاملة تُحقّق مصالح العباد وتدرأ عنهم المفاسد. وقد قرر علماء المقاصد، وعلى رأسهم أبو إسحاق الشاطبي، أنّ فهم النصوص لا يستقيم إلا بردّها إلى كلياتها، والنظر في عللها، ومراعاة مآلاتها. وهذا ما غاب عن الخوارج، حيث تعاملوا مع النصوص تعاملاً تجزيئياً، فاستخرجوا منها أحكاماً قاسية، لا تنسجم مع روح الإسلام القائمة على الرحمة والتيسير.

لقد كان تكفيرهم للإمام علي رضي الله عنه ذروة هذا الانحراف، إذ تجاهلوا مكانته العلمية والروحية، وسابقته في الإسلام، وشهادات النبي صلى الله عليه وسلم في حقه، واختزلوا الأمر في واقعة سياسية قابلة للاجتهاد. إنّ هذا السلوك يكشف عن خلل عميق في منهج الاستدلال، حيث غابت قاعدة "درء المفاسد مقدم على جلب المصالح"، وغابت معها فقه الموازنات، وفقه الأولويات.

وإذا تأملنا في جذور هذا الفكر، نجد أنه يقوم على نزعة تبسيطية تختزل الدين في أحكام ظاهرية، وتُقصي البعد الأخلاقي والإنساني. فالدين عندهم ليس منظومة قيمية متكاملة، بل مجموعة أوامر ونواهٍ تُطبّق بحرفية صارمة، دون نظر في السياق أو النتيجة. وهذا ما يجعلهم أقرب إلى "التدين الشكلي" الذي يُعلي من المظهر على الجوهر، ومن الحكم على الفعل دون فهم دافعه أو ظرفه.

إنّ الفقه المقاصدي يُقدّم بديلاً عميقاً لهذا النمط من التفكير، حيث يُعيد الاعتبار للإنسان ككائن مركّب، وللواقع كحقل معقّد، وللنص كخطاب هادف. فهو لا يرفض النص، بل يُعظّمه من خلال فهمه في ضوء مقاصده، وربطه بسياقه، وتفعيله بما يحقق العدل والرحمة. ومن هنا، فإنّ مواجهة الفكر الخارجي لا تكون فقط بالردّ عليه نصياً، بل بتفكيك بنيته المعرفية، وكشف اختلالاته المنهجية.

وللأسف، فإنّ هذا النمط من التفكير لم ينتهِ بانتهاء الخوارج ككيان سياسي، بل استمر كـ"مدرسة ذهنية" تتجدد في أشكال مختلفة، وتظهر في جماعات أو أفراد يتبنون نفس المنهج: تكفير المخالف، تضييق دائرة الإسلام، إقصاء الاجتهاد، وتقديس الفهم الخاص. وقد ساعدت بعض الظروف السياسية والاجتماعية على إعادة إنتاج هذا الفكر، خاصة في بيئات يغيب فيها التعليم الرصين، ويضعف فيها الخطاب الديني الوسطي.

إنّ استمرار هذه المدرسة إلى يومنا هذا يطرح سؤالاً عميقاً حول أزمة الفهم الديني في العالم الإسلامي. فالمشكلة ليست في النصوص، بل في العقول التي تتعامل معها، وفي المناهج التي تُدرّس بها، وفي الخطابات التي تُروّج لها. ولذلك، فإنّ الإصلاح الحقيقي يبدأ بإعادة بناء العقل الفقهي على أسس مقاصدية، تُوازن بين النص والعقل، بين الثابت والمتغير، بين الفرد والمجتمع.

كما أنّ من الضروري استحضار البعد التربوي في مواجهة هذا الفكر، من خلال ترسيخ قيم التسامح، وقبول الاختلاف، واحترام التعدد، وتربية الأجيال على التفكير النقدي، لا التلقين الأعمى. فالدين الذي جاء به النبي صلى الله عليه وسلم لم يكن دين إقصاء، بل دين رحمة، ولم يكن دعوة إلى التكفير، بل إلى التعارف والتكامل.

وفي الختام، فإنّ تجربة الخوارج تمثل درساً تاريخياً عميقاً في خطورة الانفصال بين النص ومقاصده، وبين الفهم والواقع. وهي دعوة مفتوحة لإعادة النظر في مناهجنا الفقهية، وتجديد خطابنا الديني، بما ينسجم مع روح الإسلام، ويُحصّن مجتمعاتنا من الانزلاق نحو التطرف. فالدين الذي يُفهم بعقل منغلق يتحول إلى أداة هدم، أما حين يُفهم بعقل مقاصدي منفتح، فإنه يصبح قوة بناء وإصلاح، كما أراده الله لعباده .


هذا المحتوى مقدم من جريدة كفى

إقرأ على الموقع الرسمي


المزيد من جريدة كفى

منذ ساعتين
منذ 8 ساعات
منذ ساعتين
منذ ساعة
منذ ساعة
منذ 4 ساعات
جريدة كفى منذ 6 ساعات
جريدة أكادير24 منذ 9 ساعات
جريدة كفى منذ 12 ساعة
هسبريس منذ 8 ساعات
هسبريس منذ ساعتين
هسبريس منذ 4 ساعات
هسبريس منذ 7 ساعات
أشطاري 24 منذ 13 ساعة