الوصال ــ استعرض الشيخ سالم النعماني، خلال حديثه في برنامج «منتدى الوصال» مع سالم العمري، جملة من المظاهر المرتبطة بالأفراح والأتراح، متوقفًا عند جانب العزاء بوصفه مساحة إنسانية تقوم في أصلها على المواساة والتخفيف عن أهل المصاب، مؤكدًا أن المسلم، في الماضي كما في الحاضر، يبقى محتاجًا إلى أن يقف مع إخوانه وأخواته في الشدائد كما يقف معهم في الأفراح، لأن شعور الإنسان بأن من حوله يشاركونه حزنه يهوّن عليه المصيبة ويخفف من وقعها. وأوضح أن حضور الناس في مثل هذه المواقف ليس مجرد عادة اجتماعية، بل هو معنى إنساني وإيماني عميق، يجعل صاحب المصيبة أكثر طمأنينة حين يرى من يحيطون به ويساندونه ويسألون عنه ويقفون إلى جواره.
العزاء مواساة لا مناسبة جانبية
وأشار النعماني إلى أن العزاء في جوهره هو مواساة أهل الميت فيما أصابهم، ولذلك ينبغي أن يراعي المعزّي حال المعزّى، وأن ينتبه إلى طبيعة المقام وما يفرضه من هدوء وهيبة واحترام للمصاب. وأضاف أن بعض التصرفات التي قد يراها البعض بسيطة، مثل إطلاق النكات أو المبالغة في المزاح أو الضحك في وقت نزول المصيبة، تُعدّ سلوكًا غير مناسب، لأنها تُخرج الموقف عن معناه الحقيقي، بينما المطلوب من الحاضر أن يشعر أهل الميت بأنه معهم في الحزن، وأن يُظهر ذلك حتى في ملامح وجهه وانشغاله بالجنازة وحدها، لا بأمور جانبية أخرى. ولفت إلى أن هذا الإحساس المشترك بالمصيبة هو ما يمنح أهل العزاء شيئًا من السكينة، ويجعلهم أكثر شعورًا بأن من حولهم يشاركونهم ألم الفقد.
التعزية لا تُقاس بالمكان فقط
وبيّن النعماني أن التعزية في أصلها كلمة طيبة ودعاء صادق يقدمه الإنسان لأخيه عند المصاب، مثل الدعاء له بالأجر والصبر وحسن العزاء، موضحًا أن هذا المعنى لا يرتبط بالضرورة بمكان محدد أو صورة جامدة. وأشار إلى أن الإنسان يمكن أن يعزي أخاه في أي موضع مناسب، وأن المقصود هو إيصال المواساة من دون أن يتحول ذلك إلى مشقة على أهل الميت أو إلى تكلف يثقل عليهم. واستشهد في هذا السياق بما ورد في السنة النبوية من الأدعية التي تُقال عند المصيبة، وبالحديث الشريف الذي يبين فضل قول: «اللهم آجرني في مصيبتي واخلف لي خيرًا منها»، مؤكدًا أن هذه المعاني ينبغي أن تُحضر في سلوك الناس وتعاملهم مع أهل المصاب.
رفض التعزية عند المقبرة
وتوقف النعماني ضمن حديثه في برنامج «منتدى الوصال» مع سالم العمري عند مسألة التعزية في المقبرة مباشرة بعد الدفن، مبيّنًا أنه لا يرى التعزية في المقبرة، وأن ما يحدث أحيانًا من اصطفاف الناس في طوابير طويلة عند القبور لمصافحة أهل الميت بعد الدفن يحتاج إلى مراجعة، خاصة في ظل ما يسببه من إرهاق على أهل المصاب الذين يكونون في تلك اللحظات في أقصى درجات التعب النفسي والجسدي. وأوضح أن كثيرًا من أهل الميت يكونون قد أمضوا ساعات طويلة أو أيامًا في المستشفى أو في ترتيبات الغسل والدفن، ويكونون بعد انتهاء الدفن بحاجة إلى الراحة والرجوع إلى البيت، لا إلى الوقوف في طوابير طويلة للتعزية. ولفت إلى أنه سمع فتوى في هذا المعنى تؤيد ترك التعزية في المقبرة مراعاة لأحوال الناس وتخفيفًا عنهم، مؤكدًا أن الغاية من التعزية لا ينبغي أن تبرر وسيلة تُدخل المشقة على أهل الفقد.
الأعراف المنظمة لا بأس بها
وأوضح أن الأعراف تختلف من منطقة إلى أخرى في سلطنة عمان، فلكل محافظة وولاية مجتمعها الذي تنظمه عادات معينة في إقامة العزاء، وهذه الأعراف لا حرج فيها ما دامت تضبط الأمر وتراعي الناس ولا تصادم أصلًا شرعيًّا. وأضاف أن تنظيم أوقات العزاء وتحديد مكانه ومدته من الأمور التي ساعدت على التخفيف عن الناس، بعد أن كانت المجالس في الماضي تمتد من الصباح إلى ما بعد صلاة العشاء من غير تحديد واضح. وأشار إلى أن الجهات المعنية أسهمت في تنظيم هذا الجانب من خلال تحديد مدة العزاء، وغالبًا بثلاثة أيام، وتحديد أوقات معلومة للحضور، وهو ما جعل الناس يعرفون متى يقصدون العزاء ومتى يتركون لأهله فرصة الراحة. ورأى أن هذا التنظيم يعد من باب التيسير المشروع الذي يراعي أحوال المعزين وأهل الميت معًا.
إطعام أهل الميت لا إقامة الولائم
وأكد النعماني أن السنة النبوية في هذا الباب واضحة في أن الناس هم من يُعدّون الطعام لأهل الميت، لا أن يتحول العزاء إلى مناسبة لإقامة الولائم من قبل أهل المصاب. وأشار إلى الحديث الوارد في شأن آل جعفر رضي الله عنهم: «اصنعوا لآل جعفر طعامًا فإنهم أتاهم ما يشغلهم»، موضحًا أن الأصل هو التخفيف عن أهل الميت ومساندتهم، لا تحميلهم أعباء إضافية في وقت الحزن. وأضاف أن ما كان يحدث في بعض البيئات من الذبح وإقامة الموائد الكبيرة أثناء العزاء خفّ كثيرًا بفضل التنظيم والتوعية، وهو أمر محمود، لأن المطلوب شرعًا هو المؤازرة لا التكلف، والصدقة يمكن أن تُوجه في وجوه أنفع وأولى من تحويل العزاء إلى مناسبة طعام ومباهاة.
العذر بين الناس أولى من التكلف
وتناول النعماني جانبًا آخر يتعلق بالتكلف في حضور العزاء، مشيرًا إلى أن من الناس من يقطع مئات الكيلومترات ويجلس أحيانًا فترات طويلة منتظرًا الدخول إلى مجلس العزاء بسبب الازدحام، في حين يمكن أن تتحقق المواساة بأيسر من ذلك، سواء باتصال هاتفي، أو برسالة، أو بإنابة أحد أفراد الأسرة، ما دام المقصود قد تحقق. وأضاف أن من المهم أن يعذر بعض الناس بعضًا، فمن منعه ظرف أو عمل أو بُعد مسافة لا ينبغي أن يُحرج أو يُلام، كما أن أهل العزاء ينبغي أن يتقبلوا هذا العذر، لأن المقصود هو المشاركة الصادقة لا مجرد الحضور الشكلي. وأكد أن الاعتدال في هذا الجانب يرفع الحرج عن المعزّي والمعزّى على السواء، ويمنع تحول العزاء إلى باب من أبواب المشقة.
المصافحة بين العرف والتيسير
وفي حديثه عن المصافحة داخل مجالس العزاء، أشار النعماني إلى أن بعض المجتمعات اعتادت أن يسلم الداخل على جميع الحاضرين، لا على أهل الميت فقط، وهو يرى أن هذا العرف إذا كان قائمًا ومقبولًا بين الناس فينبغي.....
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه
هذا المحتوى مقدم من إذاعة الوصال
