في ظل تصاعد التوترات الإقليمية وما تفرضه من ضغوط غير مسبوقة على اقتصادات المنطقة، نجحت مصر في تعزيز قدرتها على احتواء تداعيات الأزمة، مستندة إلى مزيج من الاستقرار الداخلي والسياسات الاقتصادية المرنة، التي وفرت للاقتصاد مساحة أوسع لامتصاص الصدمات والحفاظ على تماسكه.
وأظهرت بيانات الحكومة قبل ساعات، أن الاقتصاد المصري دخل الأزمة وهو في وضع أكثر قوة مقارنة بالفترات السابقة، حيث سجل معدل نمو بلغ 5.3% خلال النصف الأول من العام المالي 2025/2026، مدفوعا بأداء قوي لقطاعات الصناعة والزراعة والسياحة وتكنولوجيا المعلومات.
مصر تصدر ضوابط جديدة لتنظيم عمليات الشراء بالهامش في البورصة
معدل التضخم
وتراجع معدل التضخم إلى 11.9% في يناير 2026، بعد أن كان قد بلغ مستويات قياسية في وقت سابق، فيما ارتفع الاحتياطي النقدي الأجنبي إلى نحو 52.8 مليار دولار بنهاية مارس.
وعلى مستوى تدفقات النقد الأجنبي، كشفت المؤشرات عن تحسن ملحوظ، مع ارتفاع تحويلات المصريين بالخارج إلى 22.1 مليار دولار خلال ستة أشهر، وزيادة إيرادات السياحة إلى 10.2 مليار دولار، إلى جانب تدفق استثمارات أجنبية مباشرة بقيمة 9.3 مليار دولار.
تحركات حكومية وإجراءات استباقية
في المقابل، تحركت الحكومة مبكرا لإدارة تداعيات الأزمة، عبر حزمة إجراءات استباقية شملت تأمين احتياجات الطاقة، وتنويع مصادر الاستيراد، وضمان استمرارية سلاسل الإمداد، إلى جانب بناء مخزون استراتيجي من السلع الأساسية والأدوية يكفي لعدة أشهر، وهو ما حال دون حدوث أي نقص في الأسواق.
وشملت الإجراءات دعم الفئات الأكثر احتياجا بحزمة مالية تجاوزت 40 مليار جنيه، إلى جانب رفع الحد الأدنى للأجور إلى 8000 جنيه، وزيادة إجمالي الأجور بنسبة 21% في الموازنة الجديدة.
احتواء تداعيات الأزمات
وفي تصريحات إعلامية، أكد المتحدث باسم مجلس الوزراء أن الدولة نجحت في احتواء تداعيات الأزمات الإقليمية بفضل تماسك الاقتصاد واستقرار الأوضاع الداخلية، مشيرا إلى وجود تنسيق يومي بين الحكومة والبنك المركزي لتأمين احتياجات الدولة من النقد الأجنبي وضمان استقرار سوق الصرف.
وأوضح في تصريحاته الإعلامية أن هذا التنسيق ساهم في توفير الموارد اللازمة لتشغيل القطاعات الحيوية، خاصة قطاع الكهرباء، الذي يشهد انتظاما في الإمدادات دون تأثر بالأحداث الجارية، مؤكدا عدم وجود أي أزمات في هذا الملف.
تمشيان على طول جسر قصر النيل بمنطقة وسط البلد في العاصمة المصرية القاهرة.
وشدد على توافر مخزون استراتيجي آمن من السلع الأساسية، سواء الغذائية أو البترولية، بما يغطي احتياجات السوق المحلي دون أي مخاوف في ظل متابعة مستمرة من لجنة إدارة الأزمات.
تأمين احتياجات الاستيراد
وقال سامي شاهين، وكيل لجنة الشؤون الاقتصادية بمجلس النواب المصري، إن تماسك الاقتصاد المصري في ظل التوترات الإقليمية يعكس فاعلية السياسات الاستباقية التي تبنتها الدولة خلال السنوات الماضية، خاصة ما يتعلق بتعزيز الاحتياطي النقدي وتنويع مصادر العملة الأجنبية، الذي أدي إلى توفير قدرة أكبر على تأمين احتياجات الاستيراد والحفاظ على استقرار الأسواق دون اضطرابات.
وأضاف شاهين، لـ«إرم بزنس» أن المرحلة الحالية تتطلب استمرار إدارة الضغوط الخارجية بحذر وذلك في ظل ارتفاع تكلفة الطاقة والواردات عالميا، مع التركيز على دعم الإنتاج المحلي وزيادة دور القطاع الخاص لخفض الاعتماد على الخارج.
وبينما تعكس المؤشرات الرسمية تحسن نسبي في أداء الاقتصاد المصري وقدرته على امتصاص الصدمات، تطرح التطورات الإقليمية المتسارعة سؤال مدى استدامة هذا التماسك في حال استمرار الضغوط الخارجية.
سياسة نقدية مرنة
في البداية، أكد الخبير الاقتصادي، محمد سعيد، أن صافي الأصول الأجنبية في الجهاز المصرفي سجل مستويات قياسية وتو ما تسبب في تعزيز قدرة البنوك على تلبية الطلب على العملة الأجنبية، وذلك نتيجة اتباع الحكومة سياسات نقدية مرنة تعتمد على سعر صرف أكثر تحررا واستهداف التضخم.
ورغم ذلك أكد إيهاب حافظ، الخبير الاقتصادي، في تصريحات لـ«إرم بزنس»، أن التحدي الرئيسي لا يزال مرتبط بتكلفة الأزمة خاصة مع ارتفاع أسعار الطاقة عالميا، وما يترتب عليه من زيادة فاتورة استيراد الوقود، التي قد تضيف ما بين مليار إلى أكثر من ملياري دولار خلال العام المالي الجاري.
تحسن الاقتصاد المصري
وأشار سعيد في تصريح لـ«إرم بزنس»، أن التقييم الأخير الذي كشفه صندوق النقد الدولي فيؤكد أن الاقتصاد المصري تحسن بالفعل، لكنه ما زال يواجه اختبارات بنيوية ثقيلة، وأبرزها الدين العام واحتياجات التمويل المرتفعة التي لا تزال هي عنصر الضغط الرئيسي.
وأضاف حافظ، أن قدرة الاقتصاد على امتصاص الصدمات تبدو واضحة حتى الآن، لكنها تظل مرهونة بمدى استمرار الضغوط الخارجية، خاصة فيما يتعلق بأسعار الطاقة وسلاسل الإمداد.
برلماني مصري لـ«إرم بزنس»: الحكومة نجحت في احتواء أزمة الطاقة
وأضاف أن المرحلة المقبلة تتطلب تقييم أكثر عمق لمدى استدامة هذا التماسك، وذلك خاصة في ظل استمرار حال عدم اليقين والسيناريوهات المتوقعة خلال الفترة المقبلة حال تجدد الحرب الإيرانية الأميركية من جديد.
هذا المحتوى مقدم من إرم بزنس

