انتخابات 2026

تستعد وزارة الداخلية لاستحقاقات 2026 بمنطق الهندسة السياسية التي تعتمد في جوهرها على ترسانة من القوانين والآليات التقنية الصارمة، محاولةً حصر المزاج الشعبي المتقلب في معادلات إحصائية ونسب مئوية جافة. غير أن هذا الاستغراق في التقنية يسقط في مأزق بنيوي حين يغفل أن الناخب المغربي ليس مجرد وحدة إحصائية في قاعدة بيانات أو رقم تسلسلي في سجلات الحالة المدنية، بل هو فاعل اجتماعي مركب تحركه دوافع سيكولوجية وخلفيات ثقافية لا تخضع لمنطق الآلة الحاسبة. إن حصر العملية الانتخابية في جوانبها اللوجيستيكية والإدارية المحضة يحول دون فهم العمق السوسيولوجي الذي يوجه إرادة المواطنين في اللحظات الحاسمة، ويجعل الدولة تقف حائرة أمام نتائج غير متوقعة تعجز النماذج الرياضية عن التنبؤ بها لأنها افتقدت لشرط الأنسنة في التحليل.

تحتاج وزارة الداخلية اليوم أكثر من أي وقت مضى إلى استبدال نظاراتها الإدارية التي ترى المجتمع ككتلة قابلة للضبط بمنظار أنثروبولوجي ينفذ إلى جوهر التفاعلات الإنسانية ويفكك الروابط غير المرئية. فبينما يركز الخبراء التقنيون على نسب المشاركة والعزوف كمؤشرات عددية باردة، تفشل هذه المقاربة في رصد التحولات العميقة في تمثلات المغاربة للسلطة والسياسة في مغرب 2026. الأنثروبولوجيا وحدها قادرة على فك شفرة المواطنة المحلية التي لا تزال تعطي الأولوية للانتماءات الأولية، من قبيلة وعائلة ممتدة وطرق صوفية، على حساب الانتماء الحزبي الإيديولوجي الجاف. إن الانتقال من الإحصاء إلى الاستقصاء الثقافي سيتيح للوزارة فهم لماذا يصوت المغربي في القرية بشكل مختلف عن المدينة، ليس بسبب نقص الوعي بل بسبب اختلاف المرجعيات القيمية التي تحكم فعل الاختيار.

لطالما اعتمدت الإدارة الترابية على التقطيع الانتخابي كأداة هندسية ورياضية لضمان توازنات سياسية أو لضمان تمثيلية جغرافية معينة، وهي في جوهرها عملية حسابية ترسم الحدود على الخرائط الورقية. لكن المنظار الأنثروبولوجي يكشف أن هذه الحدود الإدارية غالباً ما تتصادم مع الحدود الرمزية للولاءات التاريخية والقبلية. فالناخب في المغرب العميق قد يصوت بضراوة ضد منطق الجغرافيا الإدارية المفروضة إذا تعارضت مع مصلحة الجماعة السلالية أو نفوذ الوجيه المحلي. هنا، تنهزم الآلة الحاسبة أمام قوة العصبية التي لا يمكن ترويضها بالتقاسيم الهندسية، مما يجعل النتائج تخرج بصورة تعيد إنتاج الهياكل التقليدية للمجتمع، ضاربةً عرض الحائط بكل التوقعات التقنية التي بُنيت على فرضية الناخب الحديث المنفصل عن جذوره.

تتعامل الإدارة الترابية مع الأعيان كفاعلين تقنيين يمتلكون القدرة على تحريك الخزانات الانتخابية وضمان استقرار النتائج، لكنها تفتقر لتحليل أنثروبولوجي رصين يفهم لماذا يظل هؤلاء الأعيان صامدين بل ومتجددين أمام رياح التحديث الحزبي. إن فهم الانتخابات كسوق للرموز والخدمات المتبادلة يفسر لماذا تفشل البرامج السياسية العصرية في إقناع الناخب البسيط الذي يرى في صوته أمانة أو ديناً لصالح الشخص الذي يجسد دور الوسيط مع السلطة. هذا المنطق التبادلي الذي يسميه الأنثروبولوجيون الزبونية السياسية، ليس مجرد فساد انتخابي بل هو نظام اجتماعي متكامل لا ترصده البرمجيات الإحصائية، وفهمه هو السبيل الوحيد لوزارة الداخلية لتدبير مرحلة 2026 بواقعية بعيداً عن الشعارات الجوفاء.

تقف وزارة الداخلية في كل محطة انتخابية حائرة أمام لغز العزوف، وتحاول جاهدة تفسيره بضعف التواصل الحزبي أو غياب الحماس لدى الشباب، وهي تفسيرات سطحية تنبع من عجز المقاربة الرياضية. في المقابل، يرى المنظار الأنثروبولوجي في العزوف طقساً احتجاجياً صامتاً يعبر عن قطيعة وجدانية وثقافية مع مؤسسات لا تشبه واقع الناس ولا تتحدث لغتهم اليومية. الصمت الانتخابي في مغرب 2026 هو لغة سياسية بليغة بحد ذاتها، وفهمه يتطلب الغوص في سيكولوجيا الإحباط الجمعي وتآكل الثقة في الجدوى، وهي مفاهيم نوعية لا يمكن قياسها بمساطر الوزارة التقليدية بل تتطلب إنصاتاً عميقاً لنبض الشارع في الأسواق والمقاهي والفضاءات غير الرسمية.

مع الهيمنة المتصاعدة للتكنولوجيا، يبرز الفضاء الرقمي كفاعل جديد يربك الحسابات التقنية لوزارة الداخلية. فبينما تحاول الإدارة ضبط الحملات في الميدان الفيزيائي، تنفلت منها القبائل الرقمية والمؤثرون الذين يصنعون الرأي العام في فضاءات مشفرة. الأنثروبولوجيا الرقمية توضح أن المغاربة لا يتخلون عن تقاليدهم في الفضاء الافتراضي بل يعيدون إنتاج العصبية والولاءات والنميمة السياسية داخل مجموعات الواتساب والفايسبوك. فالخطر يكمن في أن الخبير التقني يحلل عدد التفاعلات، بينما الأنثروبولوجي يحلل نوعية الخطاب وكيف يتم توجيه القطيع الانتخابي عبر شحنات عاطفية ورمزية، مما يجعل التحكم الرياضي التقليدي في توجيه أو توقع سلوك الناخبين أمراً متجاوزاً ومحدود الأثر.

إن الدعوة لاستبدال الآلة الحاسبة بالمنظار الأنثروبولوجي في تدبير انتخابات 2026 ليست ترفاً فكرياً أو نقداً أكاديمياً، بل هي ضرورة استراتيجية لضمان استقرار المؤسسات الوطنية. لكي تكون هذه الاستحقاقات معبرة بحق عن إرادة المغاربة، يجب على وزارة الداخلية أن تفتح قنواتها للباحثين في سوسيولوجيا الإنسان المغربي، لفهم النبض الحقيقي الذي لا تسجله محاضر التصويت. إن الدولة التي تفهم شعبها أنثروبولوجياً هي الأقدر على بناء نموذج ديمقراطي متجذر في التربة المحلية لا يكتفي بملء الصناديق بالأوراق بل يملأ الفراغ الرمزي والمؤسساتي بين المواطن ودولته، محولة العملية الانتخابية من مجرد تمرين حسابي إلى لحظة تاريخية لبناء الثقة والتعاقد الاجتماعي الجديد.

أولاً: نمط الاقتراع باللائحة

تخطئ المقاربة التقنية لوزارة الداخلية حين تختزل العملية الانتخابية في هندسة أرقام وضبط عتبات، متجاهلة أن الناخب المغربي يتحرك وفق نسق أنثروبولوجي يقدس الروابط المباشرة والوجاهة الملموسة. فالداخلية تراهن على التمثيل النسبي لتوزيع الحصص السياسية، لكنها تفشل في استيعاب أن الصوت في المتخيل الشعبي ليس رقماً في كسر عشري، بل هو بيعة مصلحية أو رابطة ولاء لشخص يجسد الحماية والوساطة. هذا الفصام جعل النمط اللائحي مجرد تمرين رياضي بارد يفتقد للحرارة السياسية والشرعية الاجتماعية.

إن حصر النقاش في نمط الاقتراع كمعادلة تقنية أدى إلى نوع من التنميط القسري لمجتمع متعدد البنيات. فالمقاربة الإدارية تفترض أن اللائحة ستقوي الأحزاب، لكن القراءة الأنثروبولوجية تكشف أنها أضعفت السياسة لصالح الزبونية المقننة. لقد حولت المقاربة الحسابية الدوائر الانتخابية إلى خزانات أرقام، بينما هي في الأصل فضاءات عصبية تتصارع فيها الوجاهات التقليدية. الفشل هنا يكمن في اعتقاد الداخلية أن تحديث الأداة (اللائحة) سيؤدي تلقائياً إلى تحديث الفاعل، بينما الواقع يؤكد أن الأداة الرياضية تم ترويضها لتكريس نفوذ الأعيان بأسلوب مؤسساتي.

تعتمد الداخلية نمط التمثيل النسبي كأداة لهندسة الخريطة ومنع الهيمنة، وهي مقاربة أمنية-رياضية تهدف إلى الاستقرار العددي لا الفعالية السياسية. من منظور أنثروبولوجي، هذا التشتيت العمدي للأصوات عبر نمط اللائحة يقتل الزعامة الطبيعية ويخلق نخباً هجينة تدين بالفضل للرياضيات الانتخابية أكثر مما تدين للقواعد الشعبية. إن خطأ المقاربة الإدارية يكمن في ظنها أن الاستقرار ينبع من توازن المقاعد، بينما الاستقرار الحقيقي ينبع من صدق التمثيل، وهو ما لا يمكن تحقيقه بنمط اقتراع يرى في المجتمع جدول بيانات بدلاً من نسيج بشري.

ثانياً: التقطيع الانتخابي

تتعامل الإدارة مع التقطيع الانتخابي كعملية رسم حدود جغرافية تهدف إلى موازنة عدد السكان، لكنها أنثروبولوجياً تمارس نوعاً من البتر السوسيولوجي. فعندما يتم إلحاق قبيلة بأخرى أو فصل حي عن امتداده الطبيعي لغرض حسابي، يتم تدمير العصبيات الإيجابية والروابط التاريخية. هذا التقطيع الإداري يجعل المرشح والناخب في حالة ضياع، حيث يضطر الوجيه للبحث عن أصوات في فضاءات لا ينتمي إليها رمزياً، مما يفتح الباب على مصراعيه للمال السياسي كجسر وحيد لردم الهوة التي صنعها التقطيع.

الخطأ الأنثروبولوجي القاتل في مقاربة الداخلية هو اعتقادها أن تحويل الدوائر من فردية صغيرة إلى لوائح إقليمية كبرى سيعزز التصويت السياسي. الواقع أثبت العكس، فالتقطيع الواسع جعل التواصل البشري مستحيلاً، مما دفع الأعيان إلى تأسيس كونفدراليات مصلحية. فبدلاً من أن يكون لدينا ممثل يعبر عن هوية مجالية منسجمة، أصبح لدينا تحالف أعيان يتقاسمون خارطة التقطيع كغنائم، حيث يسيطر كل واحد منهم على جيوب سوسيولوجية معينة داخل نفس الدائرة، مما أفرغ الانتخابات من معناها كفعل انتماء للمجال.

غالباً ما يُستخدم التقطيع كأداة لتحييد الكتل الناخبة المزعجة (كالأحياء الحضرية المسيسة) عبر تذويبها في كتل قروية محافظة. هذه المقاربة الرياضية تهدف إلى الضبط القبلي للنتائج، لكنها من منظور أنثروبولوجي تخنق التطور الطبيعي للمجتمع. إنها تفرض على المثقف أو المناضل الحضري الخضوع لمنطق الوجاهة القروية لكي ينجح، مما يعيد إنتاج التقليدانية في قلب الحداثة. فالتقطيع بهذا المعنى ليس مجرد خطوط على الخريطة، بل هو تسييج يمنع بروز نخب جديدة لا تخضع لمنطق الخزان الانتخابي التقليدي.

ثالثاً: القاسم الانتخابي والعتبة

تخطئ المقاربة الإدارية حين تحتسب القاسم الانتخابي بناءً على المسجلين لا المصوتين، فهي.....

لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه


هذا المحتوى مقدم من هسبريس

إقرأ على الموقع الرسمي


المزيد من هسبريس

منذ 7 ساعات
منذ 9 ساعات
منذ 3 ساعات
منذ 4 ساعات
منذ 8 ساعات
منذ 3 ساعات
هسبريس منذ 13 ساعة
2M.ma منذ 13 ساعة
موقع بالواضح منذ 19 دقيقة
جريدة أكادير24 منذ 11 ساعة
أشطاري 24 منذ 15 ساعة
هسبريس منذ ساعة
هسبريس منذ 6 ساعات
هسبريس منذ 16 ساعة