سعيد خطيبي: "أغالب مجرى النهر" تأمل في هشاشة الذاكرة حين تتخلى عن وظيفتها الأولى

الجوائز الأدبية تجعل الكتاب جزءًا من حوار دائم مع القرّاء والنقّاد لا مجرد أثر مكتوب في عزلة

الأدب يُعيد توجيه النظر نحو ما يجمع البشر بدل ما يفرّقهم

الرؤية- خاص

يفتح حديث الروائي الجزائري سعيد خطيبي نوافذ متعددة على تجربته السردية، عقب تتويجه، مؤخرًا، بالجائزة العالمية للرواية العربية، التي يرعاها مركز أبوظبي للغة العربية، عن روايته «أغالب مجرى النهر» .

ينطلق في حديثه، متجاوزًا لحظة الفوز، ليغوص في روايةٍ تؤسس لفكرة "المغالبة" بوصفها صراعًا وجوديًا من الألم إلى الأمل. ومن الذاكرة المثقلة إلى محاولة استعادتها. وهو لا يكتب عن العنف بقدر ما يتأمل شروطه. ولا يستعيد التاريخ توثيقًا، بل بحثًا جماليًا في طبقات زمنٍ مثقل بالانكسارات في سياق التجربة الجزائرية والعربية .

يتوقف خطيبي عند الجوائز الأدبية، وهو الفائز بجائزة الشيخ زايد للكتاب في العام 2023 عن فرع "المؤلف الشاب"، بوصفها جسرًا يربط النص بالقرّاء. ويضعه في اختبار الترجمة والعبور إلى العالم .

وفي تأمله لدور الأدب، يذهب خطيبي إلى أبعد من فكرة التغيير المباشر؛ فالأدب، في نظره، وعيٌ يكشف الخلل. ومساحة تلتقي فيها الشعوب، على الرغم من الاختلافات، إنه يعتبرها لحظة إنصات مشتركة، تتراجع فيها الضوضاء لمصلحة المعنى .

ويمتد الحديث إلى أثر الصحافة في تشكيل لغته، وصولًا إلى بروز دور الذكاء الاصطناعي في الأدب، والذي يراه أداة مساعدة، لا بديلًا عن التجربة الإنسانية التي تمنح النص روحه .

وإلى نص الحور:

تحمل روايتكم "أغالب مجرى النهر" عنوانًا يوحي بالمقاومة، كيف تجسد هذه الفكرة في بنية العمل سرديًا وفكريًا، وما السياقات الثقافية أو التاريخية التي استندتم إليها؟

تنطلق هذه الرّواية من رغبة في القتل وتنتهي برغبة في الحياة. تبدأ من لحظة ألم وتصل إلى لحظة الأمل، بما يجسد فكرة المغالبة. تدخل شخصياتها في صراع مع التّاريخ ومع الذّاكرة، فهي شخصيات تحاول مغالبة ذلك الوعي المأزوم الذي نتج عن تحوّلات وانكسارات. إنّها رواية عن الإنسان في دفاعه عن حقّه في الوجود، في زمن يعلو فيه الموت شأنًا على حساب الحياة، رواية كذلك عن النّساء في دفاعهنّ عن العيش الكريم واستعادة صوتهنّ. تستند الرواية إلى سياقٍ عربيّ عام، وإلى التجربة الجزائرية بشكل خاص، لأن السياقات العربية التي نعيشها الآن ليست حدثًا طارئًا؛ بل حصيلة تراكمات تاريخية تمّ تجاهلها، وتُركت من دون مساءلة، إلى أن تحوّلت إلى قدرٍ نتحمل تداعياته في الزّمن الرّاهن. لا تكتفي الرواية بسرد الوقائع، بل تحاول أن تحفر في طبقات الزمن، مستعيدة الشهر الأخير الذي سبق انزلاق الجزائر إلى ما يُعرف بـ "العشرية السوداء" في العام 1990، حين ساد الموت تحت عنفٍ أعمى. غير أن هذا الاستحضار لا يأتي بوصفه توثيقًا، بل كبحثٍ جمالي يمتدّ إلى نصف قرن من الزّمن. إن هذه الرواية تحاول أن تفهم كيف لبلدٍ كان منفتحًا على التعدد والتسامح الديني أن ينزلق نحو انغلاق قاسٍ وهيمنة لون واحد على حساب تنوع الألوان الأخرى. بالتّالي فإن "أغالب مجرى النهر" ليست حكاية عن العنف، بل تأملٌ في شروطه، وفي هشاشة الذاكرة حين تتخلى عن وظيفتها الأولى: أن تفكر بدل أن تطمر.

في ضوء فوزكم السابق بجائزة الشيخ زايد للكتاب، كيف تنظرون إلى دور الجوائز الأدبية في دعم مسيرة الكاتب العربي؟ وهل ترون أنها تسهم فعليًا في توسيع دائرة القراءة والتأثير الثقافي؟

تؤدي الجوائز الأدبية دورًا محوريًا في تشكيل المشهد الثقافي، فهي ليست مجرد تتويج رمزي، بل فضاء يفتح أمام الكاتب آفاقًا أوسع للانتشار والتأثير. وعلى غرار جائزة الشيخ زايد للكتاب والجائزة العالمية للرواية العربية، تمنح هذه الجوائز النصوص فرصة للخروج من حدودها نحو شريحة أوسع من القرّاء، حيث يصبح الكتاب جزءًا من حوار دائم مع القرّاء والنقّاد، لا مجرد أثر مكتوب في عزلة. كما أن لهذه الجوائز أثرًا في إعادة وصل الأدب العربي بالعالم، عبر نوافذ الترجمة التي طالما كانت نقطة ضعف، بسبب محدودية الدعم المؤسسي في الماضي. من هذا المنطلق لا يعود الكاتب مشاركًا في منافسة داخلية فحسب، بل يدخل أيضًا امتحانًا آخر أكثر شساعة: امتحان الترجمة؛ إذ يصبح العمل الفائز مطالبًا بأن يثبت قدرته على العبور، وأن يحمل قيمته الجمالية والفكرية إلى خارج اللغة العربية وخارج التّلقي العربي، ليؤكد أن ما يُكتب عربيًا يستحق أن يُقرأ إنسانيًا، بغض النّظر عن اللغة التي ترجم إليها.

تتسم أعمالكم بقدرة لافتة على التقاط التحولات الاجتماعية والإنسانية، إلى أي مدى يمكن للأدب، برأيكم، أن يؤدي دورًا في التقريب بين الشعوب وتفكيك الصور النمطية المتبادلة؟

من المحتمل أن الأدب لا يملك قدرة على تغيير العالم، لكنه قادر على أن يكشف مناطق العطب فيه، وأن يزيح الغشاوة عن مواطن الخلل، وأن يعيد توجيه النظر نحو ما يجمع البشر بدل ما يفرّقهم. إنه ليس أداة للتغيير بقدر ما هو شكل من أشكال الوعي وذلك الأهمّ. أذكر أنه بعد الإعلان عن الجائزة العالمية للرواية العربية 2026، لم يتوقف هاتفي عن الرنين. أذكر تلك الفرحة التي كانت تتردد في أصوات الجزائريين، الذين شعروا أن الجائزة ليست لي وحدي، بل لهم أيضًا. وكانوا محقّين في ذلك، لأنني ابن هذا الشعب، خرجت من أعماقه، وتقاسمت معهم مرّ العيش وحلوه، أذكر امرأة من بلدة نائية في قلب الصحراء الجزائرية، خرجت إلى الشارع توزّع الحلوى على جيرانها والمارّة احتفالًا بتتويج رواية "أغالب مجرى النهر". يمكن أن نختلف في السياسة والدبلوماسية، ويمكن أن تتصادم الحكومات وتتباعد المواقف، لكن الخلاف بينها ليس خصامًا بين الشعوب. فجوهر الأشياء أعمق من السياسة العابرة، إنه في النهاية يتعلق بما يجمع البشر لا بما يفصلهم. وهنا يكمن موقع الأدب بأن لا يقف في المسافة الفاصلة، بل في المسافة الجامعة. إنه مساحة مشتركة، قد نختلف في كل شيء، لكننا نلتقي فيه، لأن الأدب لا يدافع عن موقف ضيق، بل عن الإنسان في أوسع معانيه. لقد رأينا في سنوات ماضية كيف تهدأ الخلافات حين يُستدعى الأدب، وكيف يتراجع الضجيج أمام لحظة اعتراف.....

لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه


هذا المحتوى مقدم من صحيفة الرؤية العمانية

إقرأ على الموقع الرسمي


المزيد من صحيفة الرؤية العمانية

منذ ساعة
منذ ساعة
منذ ساعة
منذ ساعة
صحيفة أثير الإلكترونية منذ 18 ساعة
صحيفة الرؤية العمانية منذ 14 ساعة
وكالة الأنباء العمانية منذ 3 ساعات
صحيفة أثير الإلكترونية منذ ساعتين
وكالة الأنباء العمانية منذ 12 ساعة
صحيفة الرؤية العمانية منذ 15 ساعة
صحيفة الرؤية العمانية منذ 17 ساعة
صحيفة الرؤية العمانية منذ 23 ساعة