تواجه ميزانية المغرب ضغوطاً متزايدة مع ارتفاع أسعار الطاقة عالمياً، بفعل توترات «مضيق هرمز» و«حرب إيران»، إذ سجّل الوقود ثلاث زيادات خلال 45 يوماً، كما قفزت أسعار النفط فوق تقديرات موازنة 2026، ما يعزز الضغوط ويدفع نحو خيارات تمويل إضافية لاحتواء العجز.
ارتفاع الطاقة الضاغط بشكل لافت على ميزانية المغرب، يصنع كلفة باهظة على خزينة المملكة وسيدفع، بحسب خبراء اقتصاد مغاربة تحدثوا لـ«إرم بزنس»، إلى اللجوء إلى قرض الـ4.5 مليار دولار من «صندوق النقد الدولي» كأحد الخيارات الاضطرارية المطروحة.
ويؤدي ارتفاع أسعار الطاقة إلى زيادة كلفة واردات الوقود، وتوسع عجز الميزان التجاري، الذي سجل في 2025 مستوى قياسياً بأكثر من 38 مليار دولار، بارتفاع 15.8% على أساس سنوي.
التضخم في المغرب يرتفع إلى 0.9% خلال مارس
3 زيادات في 45 يوماً.. الوقود يشتعل في المغرب
وفي 16 أبريل الجاري، ارتفعت أسعار الديزل، الأكثر استخداماً للسيارات في المغرب، في محطات التوزيع بواقع درهم واحد، ليصل متوسط السعر إلى 15.5 درهم للتر، منذ بداية «حرب إيران» نهاية فبراير الماضي.
وبحسب ما أوردته وكالة الأنباء المغربية، فإن هذه الزيادة تعد الثالثة من نوعها في أقل من شهر ونصف الشهر، بعدما انتقلت الأسعار من متوسط يقارب 11 درهماً للتر إلى المستويات الحالية، ووفق تقديرات غير رسمية، وتبلغ إجمالي الزيادة منذ الحرب حوالي 5 دراهم، أي ما يعادل نحو 50%.
وتتجاوز واردات الطاقة 11 مليار دولار، ويتم تحديد الأسعار وفقاً لمعطيات السوق بعدما تم تحريرها عام 2015.
164 مليون دولار شهرياً.. الفاتورة التي لم تُحسب
من جانبه، يرى الخبير الاقتصادي المغربي، رشيد الساري، في حديث لـ«إرم بزنس»، أن المملكة تظل دولة مستوردة للطاقة، حيث تصل احتياجاتها الطاقية إلى أكثر من 90% رغم المجهودات الكبيرة التي تمت من خلال ضمان نسبة من الكهرباء تتراوح ما بين 37% و42% من خلال الطاقات المتجددة، لا سيما الطاقة الشمسية، بالإضافة إلى المشاريع الكبرى الجارية في مجالات الطاقة الريحية والهيدروجين الأخضر، إلا أن النتائج الكاملة لهذه المشاريع ستظهر مستقبلاً.
وحذر الساري، من أن استمرار هذا الوضع المتوتر عسكرياً بالمنطقة للشهر الثاني وحالة الإغلاق والفتح المتكررة لمضيق هرمز 3 أو 4 أشهر إضافية سينعكس بشكل مباشر في المغرب على معدلات التضخم، وتفاقم عجز الميزانية، وعلى معدلات النمو الاقتصادي، مرجحاً احتمالية اللجوء إلى قانون المالية التعديلي للنظر إلى تغير كافة الفرضيات، بما في ذلك سعر صرف الدولار.
ويستهدف المغرب تحقيق نمو اقتصادي بنسبة 4.6% مع ضبط التضخم عند نحو 2%، وفق تقديرات قانون المالية 2026.
ولكن الأوضاع بالمنطقة، تجعل الكلفة الشهرية التي تتحملها الدولة حالياً تصل إلى حوالي مليار و648 مليون درهم، أي ما يعادل 164 مليون دولار شهرياً، وهي مبالغ لم تكن مدرجة في حسبان ميزانية 2026، وتستنزف خزينة المملكة، بحسب الساري.
وأضاف أنه في حال ارتفع سعر البرميل إلى 120 دولاراً، فإن الكلفة الشهرية ستقفز لتتجاوز 200 مليون دولار أي ملياري درهم شهرياً، متوقعاً أن يصل حجم الدعم الموجه للمواد المرتبطة بالكهرباء وحدها إلى أكثر من مليار دولار، ناهيك عن القطاعات الأخرى التي ستتأثر بارتفاع أسعار المواد الطاقية بشكل كبير، وهذا عبء كبير ستتحمله الدولة.
زيادة أسعار الوقود في المغرب للمرة الثالثة خلال أقل من شهر ونصف
ضغط مزدوج على المالية العامة.. نفقات ترتفع ونمو يتباطأ
ويرى الخبير الاقتصادي المغربي، إدريس الفينة، في حديث لـ«إرم بزنس»، أن ارتفاع أسعار الطاقة يضغط بقوة على ميزانية المغرب لأننا مستورد صافٍ للطاقة، لذلك أي صعود حاد في النفط يرفع فوراً فاتورة الواردات، ويزيد كلفة النقل والإنتاج والكهرباء، ثم ينتقل إلى الأسعار الداخلية ويتحول لتضخم.
وبحسب الفينة، هذا يضع المالية العمومية في المغرب تحت ضغط مزدوج، فمن جهة ترتفع نفقات الدولة المرتبطة بالتعويضات والبرامج الاجتماعية وكلفة الاستثمار العمومي، ومن جهة أخرى يتباطأ النمو فتتأثر المداخيل الجبائية.
ونبه إلى عدة مؤشرات منها أن البنك الدولي يتوقع في 2026 نمواً بنحو 4.2% مع بقاء المخاطر الخارجية قائمة، وترجيح البنك الأوروبي لإعادة الإعمار والتنمية أن المغرب ما زال معرضاً لصدمات أسعار الطاقة، وتأكيد صندوق النقد أن صدمات الطاقة تظل من أهم المخاطر على التوازنات الخارجية والاحتياطيات.
شخص يزوّد السيارة بالوقود.
المصدر: وكالة الأنباء المغربية
خط صندوق النقد بـ4.5 مليار دولار.. احتياط أم ضرورة؟
وعن الخطوات المتوقعة لمواجهة تلك الكلفة على خزينة المغرب، أوضح الخبير الاقتصادي المغربي، رشيد الساري، أن ما يحدث بالمنطقة من جهود تهدئة تعطي انفراجات صغيرة وعابرة، لكنها لا تخفي حقيقة الوضع المتردي في المنطقة، وهو ما يجب معه تبني حزمة من الإجراءات العملية، منها ترشيد النفقات بشكل كبير، وترشيد استهلاك الكهرباء والمواد الطاقية، وتحفيز الموظفين والمشغلين على استخدام النقل الجماعي، وخفض مدة إنارة الشوارع العمومية وتقليصها، ووقف استهلاك الكهرباء في المرافق غير الضرورية.
وعن التأثيرات المالية المتوقعة، أشار الساري، إلى أن آخر إفادة لوالي بنك المغرب، كانت صريحة بشأن إمكانية اللجوء لاستعمال الخط الائتماني إذا ما استمر الوضع الحالي، مرجعاً ذلك إلى عدة اعتبارات، أبرزها تجاوز سعر برميل النفط حاجز الـ 100 دولار، في حين أن الفرضيات التي بني عليها قانون المالية لعام 2026 كانت تتوقع سعراً في حدود 65 دولاراً فقط.
وفي 17 مارس الماضي، قال والي بنك المغرب المركزي عبد اللطيف الجواهري، إن بلاده قد تلجأ إلى استخدام خط ائتماني مرن من «صندوق النقد الدولي» للحصول على 4.5 مليار دولار فورياً حال ارتفاع أسعار النفط إلى مستوى 120 دولاراً للبرميل، مؤكداً أن المملكة بإمكانها استعمال هذا الخط الائتماني «فوراً وبدون شروط مسبقة»، مذكّراً بأن المغرب سبق أن استخدم آلية مماثلة في 2020 خلال جائحة كورونا للحصول على تمويل بقيمة 3 مليارات دولار.
وكان المغرب وقّع مع «صندوق النقد الدولي» في أبريل 2025 اتفاقاً لمدة عامين ضمن آلية خط الائتمان المرن بقيمة تعادل 4.5 مليار دولار، وأكدت السلطات المغربية حينها أن الهدف من الخط هو استخدامه كإجراء احترازي لتعزيز قدرة الاقتصاد على مواجهة الصدمات الخارجية.
وبخصوص الاقتراض، الأرجح بحسب الخبير الاقتصادي المغربي، إدريس الفينة أن المغرب سيفضل أولاً أدوات التمويل الوقائي والسيولة الاحترازية بدل اللجوء المباشر إلى اقتراض طارئ ومكلف.
ومع الضغوط يبرز خط الائتمان المرن من صندوق النقد بقيمة 4.5 مليار دولار، الذي وافق عليه الصندوق في أبريل 2025 كآلية تأمين ضد الصدمات الخارجية وليس كإشارة إلى أزمة تمويل فورية، بحسب الفينة، مؤكداً أنه «إذا استمرت أسعار النفط مرتفعة جداً أو تجاوزت مستويات حرجة، فقد تستخدمه السلطات لدعم الاحتياطيات وطمأنة الأسواق، إلى جانب اللجوء المعتاد إلى السوق الداخلي وإصدارات الدين الخارجي إذا اقتضت الحاجة».
هذا المحتوى مقدم من إرم بزنس

