ماجدولين: “الكتابة النسوية” اختزال ضيق .. والمثقف لم يعد “ضمير الأمة”

لا تمثل الكتابة باباً نطرقه حين نطمئن، فهي أقرب إلى هاوية نقترب منها ونحن نرتجف، نختبر قدرتنا على السقوط دون أن ننكسر تماماً، إذ تبدأ برعشة خفيفة في الداخل، بشيء يشبه النداء أو الإنكار معاً، يدفعنا إلى الإمساك بالكلمات كما لو كانت حبلاً رفيعاً فوق فراغ واسع، نكتب لأن شيئاً فينا يرفض أن يُترك دون صوت، ومع ذلك نشك في جدوى هذا الصوت، بين محاولة للنجاة وحيلة مؤقتة لتأجيل مواجهة الصمت

في هذا الأفق، كما يظهر في حوار الشاعرة والروائية المغربية ثريا ماجدولين مع جريدة هسبريس، لا تبدو الكتابة مساراً نحو يقين، بل حركة داخل منطقة ملتبسة تُعمّق الأسئلة بدل أن تُنهيها، حيث تتحول إلى إقامة في القلق واختيار للبقاء داخل التوتر، بينما تتسلل الأسئلة حول معنى الكتابة في عالم لا ينتظر النصوص، وحول قدرة اللغة على قول ما نعجز عن عيشه، في زمن تُستهلك فيه الكلمات بسرعة، فتغدو الكتابة محاولة للإمساك بما يتفلّت، لا وعداً بالخلاص، بل طريقة لتأجيل السقوط ومنع السؤال من أن يموت في الصمت

نص الحوار

في مسارك الإبداعي تبدين وكأنك تكتبين دائماً من منطقة التوتر والبحث، لا من منطقة اليقين. حين ننظر إلى تجربتك الشعرية والروائية نكتشف صوتاً يغامر في مساءلة الذات والعالم في آن واحد. هل جاءت الكتابة في حياتك باعتبارها خلاصاً شخصياً من أسئلة الوجود، أم أنها كانت منذ البداية مشروعاً فكرياً لمساءلة الواقع المغربي والإنساني؟ وأين تجدين نفسك اليوم داخل هذا المسار الطويل بين القلق الجمالي والرهان الفكري؟

في بداياتي لم أفكر في مشروع فكري بالمعنى الممنهج. كنت أكتب لأن شيئا في داخلي كان يرفض الصمت. كانت الكتابة محاولة لفهم الذات أولا. لكن كل محاولة صادقة لفهم الذات تنفتح بالضرورة على العالم. فحين نحفر عميقا في الداخل نصل إلى طبقات مشتركة: الخوف، السلطة، الذاكرة، الجسد، الحب، الخيبة، التاريخ… وهنا يتحول السؤال الشخصي إلى سؤال جماعي. فكانت الكتابة تعبيرا عن قلق ما. لم أكتب يوما من منطقة اليقين، بل كانت الكتابة وما تزال محاولة لعبور المسافة بين ما أعيشه وما أريده.

مع الوقت، أدركت أن الكتابة لا تنقذني من أسئلة الوجود، لكنها تمنعها من التحول إلى صمت قاتل. ولذلك لم تكن بالنسبة لي مخرجا من التوتر، بل طريقة لإعطائه شكلا جماليا. لهذا، ربما، يبدو صوتي دائما في حالة بحث. لأنني لا أؤمن بنقطة الوصول، بل بما يكشفه الطريق ونحن نسير فيه.

أما عن مساءلة الواقع المغربي والإنساني، فهذا ليس أمرا خارجيا. الواقع يسكن اللغة نفسها. إذ لا يمكن للكاتب أن يكتب عن ذاته دون أن يكتب عن زمنه. فنحن أبناء سياقاتنا، حتى عندما نظن أننا نكتب عن أكثر مناطقنا حميمية. والقلق الجمالي بالنسبة لي ليس منفصلا عن الرهان الفكري، لأنّ الشكل هو جزء من الموقف، والطريقة التي نحكي بها هي أيضا موقف من العالم.

اليوم، بعد هذا المسار الطويل، أجد نفسي في منطقة أكثر هدوءاً على مستوى الخارج، لكن أكثر تعقيدا في الداخل. لم تعد الكتابة محاولة للبرهنة بقدر ما أصبحت محاولة للإنصات. ولم أعد أبحث عن أجوبة نهائية، بل عن أسئلة أدق. وربما هذه هي محطة الوصول: أن نقلق بطريقة أعمق، ولكن أقلّ صخبا.

كثير من المتابعين يلاحظون أنك انتقلت من الشعر إلى الرواية كما لو أنك تعبرين من ضفة لغوية مكثفة إلى فضاء حكائي أكثر اتساعاً. هل كان هذا الانتقال اختياراً واعياً فرضته حاجتك إلى سرد العالم، أم أنه كان نتيجة شعور بأن الشعر لم يعد قادراً وحده على احتواء الأسئلة التي تسكنك؟ وهل تعتقدين أن الرواية تمنح الكاتب سلطة أوسع على الزمن والذاكرة والواقع؟

لم يكن انتقالي من الشعر إلى الرواية قفزة من ضفّة إلى أخرى، بل كان اتساعا في النهر نفسه. الشعر هو بيتي الأول، وهو اللغة التي تعلّمت بها الإصغاء إلى العالم من الداخل. وربما لهذا السبب لا أستطيع أن أكتب جملة سردية دون أن أسمع إيقاعها أولا. لكنه بطبيعته يشتغل على اللحظة المكثّفة، على الوميض، على الجملة التي تختزل تجربة كاملة في إيقاع واحد.

وفي مرحلة ما بدأت أشعر أن بعض الأسئلة التي تسكنني لم تعد تقبل هذا التكثيف وحده. كانت تحتاج إلى زمن أطول كي تتنفس، إلى شخصيات تتحرك، إلى سياقات اجتماعية وتاريخية تتقاطع وتتعارض. بعض الأسئلة شعرية في جوهرها، وبعضها سردي، يحتاج إلى مسار، إلى تحوّل، إلى تدرّج في الكشف. والرواية منحتني هذه المساحة للحوار مع الزمن. في الشعر يكون الزمن غالبا لحظة متوهجة، أمّا في الرواية، فهو مادة قابلة للتشكيل: يمكن تفكيكه، العودة إليه، القفز فوقه، إعادة تركيبه. كذلك الذاكرة: في الشعر هي أثر مكثّف، وفي الرواية هي بنية كاملة، شبكة علاقات، طبقات من السرد.

لكنني لا أؤمن بفكرة “السلطة” بالمعنى التقليدي. الرواية لا تمنح الكاتب سلطة بقدر ما تضعه أمام مسؤولية أعقد. هي فضاء أوسع، نعم، لكنها أيضا أكثر هشاشة. في الشعر يمكننا الاختباء خلف المجاز، لكن في الرواية علينا أن نواجه العالم بكل تناقضاته، وأن نمنح للشخصيات استقلالها، حتى لو تمردت علينا.

لذلك أعتبر أنني لم أترك الشعر، بل حملته معي إلى الرواية. الحساسية الشعرية ما زالت تسكن جملتي السردية، في الإيقاع، في الصورة، في الصمت بين السطور. وإذا بدا أنني انتقلت من التكثيف إلى الاتساع، فذلك لأن أسئلتي نفسها اتسعت، لا لأنني بدّلت جلدي.

يقال إن الكتابة النسوية في العالم العربي ما تزال محاصرة بين صورتين متناقضتين : صورة الضحية وصورة المتمردة. في أعمالك تبدو المرأة أكثر تعقيداً من هذين النموذجين. كيف تنظرين إلى مفهوم “الكتابة النسوية” اليوم؟ وهل ترين أنه مفهوم تحرري يمنح المرأة صوتها الخاص، أم أنه في بعض الأحيان يتحول إلى تصنيف ضيق قد يحاصر التجربة الإبداعية بدل أن يحررها؟

أتحفّظ قليلا على التصنيفات الجاهزة، ومنها عبارة “الكتابة النسوية” حين تُختزل في إطار ضيق. بالنسبة لي، لا توجد كتابة نسوية بالمعنى الشعاري، بل توجد كتابة صادقة تنطلق من تجربة معينة، وتجربة المرأة في مجتمعاتنا ليست هامشا، بل هي مركز أسئلة معقّدة حول الجسد، والسلطة، واللغة، والذاكرة.

الثنائية التي ذكرتَها: “الضحية أو المتمردة”، هي في رأيي توصيف مريح. المرأة في الواقع أكثر التباسا من ذلك. هي قد تكون قوية وضعيفة في اللحظة نفسها، واعية ومخدوعة، فاعلة ومقيّدة. ما يهمني في الكتابة هو هذا التعقيد، هذا التردد الداخلي، لا الصورة الأيقونية التي تُعلّق على الجدار.

يمكن قراءة أدب المرأة بوصفه مساحة لتحرير الصوت، لكسر الصمت التاريخي. وتكون هذه القراءة أداة لفتح المجال أمام سرديات ظلت مهمشة طويلا. لكن حين نستخدم “الكتابة النسائية” كتصنيف جاهز يُقرأ النص من خلاله قبل أن يُقرأ بذاته، يصبح قيدا. لأن الكاتب ـ امرأة كان أم رجلا ـ لا يكتب من هوية واحدة فقط، بل من شبكة معقدة من الانتماءات والتجارب.

أنا أكتب من موقعي كامرأة عاشت سياقا معينا، نعم. لكنني لا أكتب لأمثّل فئة، ولا لأبرهن على موقف مسبق. أكتب لأفهم. وإذا كانت شخصياتي النسائية في روايتي “أثر الطير” تبدو أكثر تعقيدا من صورة الضحية أو المتمردة، فلأنني لا أؤمن بالنقاء الأخلاقي للشخصيات، بل بهشاشتها. الإنسان، قبل أن يكون امرأة أو رجلا، هو كائن متناقض. وقوة أيّ كتابة لا تأتي من اللافتة التي تُعلّق عليها، بل من قدرتها على ملامسة الأسئلة العميقة للوجود. وإذا استطاعت الكتابة التي تُنجزها امرأة أن تكشف طبقات خفية من التجربة الإنسانية، فهي تحرر نفسها وتحرر قارئها في آن واحد، دون حاجة إلى أن تُختزل في تعريف واحد.

المثقف المغربي يعيش منذ سنوات في منطقة رمادية بين الحضور والغياب. صوته مسموع أحياناً لكنه يبقى في كثير من الأحيان خارج مراكز القرار الثقافي والسياسي. من موقعك كشاعرة وروائية، كيف ترين موقع المثقف المغربي اليوم؟ هل ما يزال يمتلك القدرة على التأثير في المجتمع، أم أنه أصبح مجرد شاهد على التحولات الكبرى التي يعيشها العالم؟

أعتقد أن صورة المثقف بوصفه “ضمير الأمة” الذي يتكلم من موقع علوي ويحرّك الشارع أو يؤثر مباشرة في القرار السياسي، لم تعد صالحة كما كانت في لحظات تاريخية سابقة. العالم تغيّر، ووسائط التأثير تغيّرت، والسلطة لم تعد تتجسد فقط في مركز واضح يمكن مخاطبته أو معارضته من الخارج.

المثقف المغربي اليوم يعيش فعلا في منطقة رمادية، لكنني لا أرى ذلك بوصفه ضعفا بالضرورة. هذه المنطقة الرمادية قد تكون مساحة استقلال. حين يكون المثقف خارج مراكز القرار، فهو في الوقت نفسه أقل خضوعا لإملاءاتها. السؤال ليس: هل يُستدعى إلى الطاولة؟ بل: هل يحافظ على حريته في مساءلة الطاولة نفسها؟

التأثير لم يعد مباشرا أو صاخبا. لم يعد في شكل بيانات أو خطابات كبرى. أحيانًا يحدث بصمت: في اللغة، في الأسئلة التي تبدأ ببطء في تغيير طريقة نظرنا إلى العالم. هو عمل تراكمي في الوعي، فالكاتب لا يغيّر القوانين، لكنه قد يغيّر الطريقة التي ننظر بها إلى أنفسنا، إلى السلطة وإلى الواقع. وهذا ليس تأثيرا بسيطا.

في الوقت نفسه، لا يمكن إنكار أن هناك تراجعا في حضور المثقف في الفضاء العمومي، لصالح أشكال أخرى من “الرأي” أكثر سرعة وأقل تعقيدا. وسائل التواصل جعلت الصوت العالي يغلب أحيانا على الصوت العميق. لكن جزءا من هذا التراجع لا يعود إلى الضجيج وحده، بل أيضا إلى تردد المثقف نفسه في دفع ثمن استقلاليته. وهذا لا يعني أن دور المثقف انتهى، بل ربما أصبح أكثر صعوبة. عليه أن ينافس الضجيج دون أن يتحول إلى جزء منه.

من موقعي كشاعرة وروائية، لا أرى نفسي “شاهدة” فقط، ولا “فاعلة سياسية” بالمعنى المباشر. أرى نفسي جزءا من هذا النسيج الهش الذي يحاول أن يحفظ مساحة للتفكير في زمن الاستعجال. إذا كانت الكتابة لا تغيّر العالم فورا، فهي على الأقل تمنعنا من الاستسلام الكامل له. وربما هذا هو شكل التأثير الممكن اليوم: أن نُبقي الأسئلة حيّة، حتى عندما يبدو أن الإجابات جاهزة ومغلقة.

العلاقة بين المثقف والسلطة ظلت دائماً علاقة ملتبسة في التاريخ العربي. هناك من يرى أن المثقف الحقيقي هو من يظل في موقع النقد والمساءلة، وهناك من يعتقد أن الحوار مع السلطة قد يكون أحياناً ضرورة من أجل الإصلاح. أين تضعين نفسك داخل هذه المعادلة الصعبة؟ وهل تعتقدين أن المثقف المغربي استطاع أن يحافظ على استقلاله الرمزي؟

العلاقة بين المثقف والسلطة ليست معادلة ثابتة، بل علاقة تاريخية متحركة، تتغير بتغير السياقات. أتحفّظ على فكرة “النقاء المطلق” كما أتحفّظ على فكرة “الاندماج الكامل”. المثقف الذي يتحول إلى صدى للسلطة يفقد جوهره، والمثقف الذي يكتفي برفع الشعارات من الخارج دون مساءلة عميقة قد يتحول هو أيضا إلى صورة نمطية.

أعتقد أن موقع النقد والمساءلة هو شرط أساسي لأي كتابة حرة. ليس نقدا انفعاليا، بل نقدا معرفيا وأخلاقيا، يطرح الأسئلة الصعبة حتى عندما لا تكون مريحة. في الوقت نفسه، لا أرى الحوار مع السلطة في ذاته خيانة. قد يكون أحيانا ضرورة، إذا كان حوارا قائما على الندية لا على التبعية، وعلى وضوح المسافة لا على ذوبانها. فالمسألة ليست في القرب أو البعد الفيزيائي من السلطة، بل في المسافة الرمزية، في القدرة على الحفاظ على استقلال الصوت. هل يستطيع أن يقول “لا” عندما يقتضي الأمر؟ أحيانا لا تكون المشكلة في السلطة وحدها، بل في استعداد بعض المثقفين.....

لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه


هذا المحتوى مقدم من هسبريس

إقرأ على الموقع الرسمي


المزيد من هسبريس

منذ ساعتين
منذ ساعتين
منذ 24 دقيقة
منذ 20 دقيقة
منذ ساعة
منذ 9 ساعات
2M.ma منذ 20 ساعة
هسبريس منذ 19 ساعة
2M.ma منذ 13 ساعة
هسبريس منذ 14 ساعة
موقع بالواضح منذ 10 ساعات
Le12.ma منذ 16 ساعة
هسبريس منذ 13 ساعة
هسبريس منذ 4 ساعات