عن هاني شاكر القيمة الفنية الكبيرة| صوت الشباب الذي اختاره الطرب القديم «أميرًا»

حين يمرّ المرض بجوار صوتٍ مثل صوت هاني شاكر، لا يبدو الأمر كحادثة عابرة في جسد فرد، بل كأن شيئًا في وجدان أمة كاملة يتعثّر قليلًا. ذلك الصوت الذي طالما حمل الحنين كطفل دافئ بين كفّيه، وغنّى للحب كما لو أنّه يكتشفه للمرّة الأولى في كل أغنية، يجد نفسه فجأة في مواجهة صمت ثقيل، صمت لا يشبه فواصل الموسيقى، بل يشبه تلك اللحظة التي ينكسر فيها وتر خفي داخل القلب. إنه صراع مع المرض، لا بوصفه عارضًا بيولوجيًا فحسب، بل زائرًا ثقيل الظل يختبر صبر الفنان ويضعه في مواجهة ذاته. وفي هذا الامتحان الصامت ترفض الروح الاستسلام، وتتشبّث بكل نغمة غنّاها، وبكل دمعة صادقة خرجت من حنجرته قبل أن تصل إلى أعين جمهوره. كم يبدو مؤلمًا أن يتراجع الجسد خطوة بينما الذاكرة تظل تركض في مسارح الزمن، تستعيد حفلات كانت تعجّ بالحياة، ووجوهًا كانت تبتسم له كما لو أنّه يداويها، لا يغنّي لها فحسب

في مرضه، يصبح هاني شاكر أكثر قربًا من الناس، لا بوصفه نجمًا بعيدًا في سماء الشهرة، بل إنسانًا يشبههم يتألّم كما يتألّمون، ويخاف كما يخافون، ويأمل كما يأملون في الشفاء. هنا تتبدّل الأدوار، فالجمهور الذي كان يتلقّى منه الحنان عبر الأغاني يردّ له الدَّين بدعوات صادقة وكلمات دافئة وحب لا يحتاج إلى لحن ليُقال. وربما في تلك اللحظات يكتشف الفنان معنى آخر لصوته، ليس فقط كأداة للغناء، بل كذاكرة حيّة لكل ما عاشه، لكل حب غنّاه، ولكل ألم مرّ به. ويبقى الأمل هو اللحن الأخير الذي لا ينكسر، يظل معلّقًا في الهواء ينتظر أن يلتقطه هاني شاكر بصوته حين يستعيد عافيته ليغنّي مرة أخرى، لا للحب فحسب، بل للحياة نفسها التي تثبت في كل مرة أنها أقوى من المرض، وأقدر على أن تمنحنا فرصة جديدة لنحب ونغنّي ونحلم.

لُقّب هاني شاكر بـ أمير الغناء العربي ، وهو من مواليد 21 ديسمبر عام 1952 في محافظة القاهرة. نشأ في كنف أسرة مصرية بسيطة، فكان والده عبد العزيز شاكر موظفًا في مصلحة الضرائب، رجلًا مستقيمًا زرع في ابنه قيم الالتزام والاجتهاد، وهي القيم التي رافقته في رحلته الفنية الطويلة. ومنذ نعومة أظفاره أخذت الموسيقى بيده نحو آفاقها الرحبة، فالتحق بالمعهد العالي للموسيقى الكونسرفتوار حيث درس أصول الفن حتى المرحلة الإعدادية، وكان صوته المميز آنذاك يحمل بشائر موهبة استثنائية تتفتّح كما تتفتّح الزهور على ضفاف النيل. وخلال تلك الفترة لم يكن مجرد طالب يتلقى العلم، بل كان مشاركًا فاعلًا في برامج الأطفال التي كان ينظّمها التلفزيون المصري، فبدأت ملامح حضوره الفني تتشكّل أمام أعين الجمهور، وتلمع أولى شرارات نجوميته في الأفق.

وجاءت لحظة البدايات الحقيقية حين أطلّ على الشاشة في فيلم سيد درويش عام 1966، من إخراج أحمد بدرخان، حيث جسّد شخصية سيد درويش في مرحلة صباه، وكأن القدر كان يهيّئه منذ تلك اللحظة ليحمل شعلة الغناء العربي من بعد الكبار. ولم تمضِ سنوات حتى كان صوته جزءًا من كورال أغنية «بالأحضان» خلف العندليب الأسمر عبد الحليم حافظ، فاختلط صوته الناشئ بعبق صوت أسطوري، في مشهد يختصر عبور الموهبة من الظل إلى الضوء.

أما التحول الأبرز في مسيرته فقد جاء على يد الملحن الكبير محمد الموجي الذي تنبّه إلى تلك الموهبة اليافعة، فاحتضنها وقدّمها إلى الساحة الغنائية عبر لحن أغنية حلوة يا دنيا عام 1972. وحين انطلقت الأغنية عبر أثير الإذاعة المصرية، ظن كثيرون أنها عمل جديد للعندليب عبد الحليم حافظ، في دلالة بليغة على قوة الأداء ونقاء الصوت، وكأن صوت هاني شاكر كان آنذاك مرآة تعكس امتداد مدرسة الطرب الأصيل لا مجرد صدى لها.

تعد تجربة هاني شاكر الموسيقية واحدة من أكثر المسارات الفنية إثارة للتأمل في تاريخ الأغنية العربية الحديثة، لا لأنها كانت خطًا صاعدًا بلا انكسارات، بل لأنها مثّلت حالة مركبة من الاستمرارية والتكيّف، من الوفاء لروح الطرب الكلاسيكي ومحاولات الانخراط بحذر في تحوّلات الذوق العام. مسيرته لا تقتصر على استعادة محطات النجاح، بل تتطلّب النظر إلى السياق الاجتماعي، وإلى طبيعة الخيارات التي تبنّاها، وإلى الكيفية التي أعاد بها تعريف موقعه في خريطة الغناء العربي عبر عقود متباينة الإيقاع.

بدأت ملامح هذا الصوت تتشكّل في ظل تأثيرات عميقة لمدرسة الطرب التقليدي التي أسّسها عمالقة مثل أم كلثوم وعبد الحليم حافظ.....

لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه


هذا المحتوى مقدم من بوابة أخبار اليوم

إقرأ على الموقع الرسمي


المزيد من بوابة أخبار اليوم

منذ 4 ساعات
منذ ساعتين
منذ 10 ساعات
منذ 8 ساعات
منذ 5 ساعات
منذ 11 ساعة
صحيفة المصري اليوم منذ 14 ساعة
صحيفة اليوم السابع منذ ساعتين
صحيفة الوطن المصرية منذ 5 ساعات
بوابة أخبار اليوم منذ 11 ساعة
صحيفة الوطن المصرية منذ 8 ساعات
صحيفة المصري اليوم منذ 15 ساعة
بوابة الأهرام منذ 8 ساعات
صحيفة اليوم السابع منذ 7 ساعات