لم تعد شبكاتُ المخدرات مجرّد عصاباتٍ معزولة، بل تحوّلت إلى منظوماتٍ متكاملة، تتقاطع فيها مصالح الإجرام مع صناعة التفاهة، لتستهدف الإنسان في عقله وسلوكه وجسده، وتُفرغ المجتمع من مناعته وقيمه. وتضعف الدولة في أغلى ما تملك: المستقبل، الشباب والأسر.
إن هذه الشبكات سبّاقة إلى توظيف أحدث ما أنتجته التكنولوجيا الدوائية، لتطوير موادها وابتكار أساليب خبيثة لترويجها، تصل حدّ التسلل إلى بعض المواد الغذائية الموجّهة للأطفال والشباب. كما تستثمر بجرأة في الذكاء الاصطناعي، ليس للخير، بل لتطوير شبكات الإنتاج والتوزيع والتهريب والتخفي والتسويق، بكفاءةٍ عابرة للحدود.
ولا تقف أطماعها عند هذا الحد، بل تسعى إلى التموقع داخل مفاصل المؤسسات، عبر الدفع ببعض زمرها وعملائها إلى مواقع القرار، في المؤسسات المنتخبة والإدارية، وعلى رأسها البرلمان، مع محاولات خطيرة لاختراق الأجهزة الأمنية والجمارك وقد تصل إلى القضاء.
وليس مستبعدًا أن تكون قد أقامت، في الخفاء، مختبراتٍ ومراكز بحوث في سراديب تحت أرضية، داخل بعض المصانع والضيعات الفلاحية، تُدار بمنطق الشركات، وتشتغل بعقلية الجريمة المنظمة العابرة للقارات.
إن الوطن يواجه اليوم حربًا صامتة مزدوجة: تخديرًا ثقافيًا وسلوكيًا تنشره التفاهة، وتخديرًا عقليًا وجسديًا تبثه المخدرات. كلاهما وجهان لمؤامرةٍ واحدة، وتجارةٍ مربحة لشبكاتها، لكنها مدمّرة للوطن، مستنزِفة لطاقات شبابه، ومهدِّدة لتماسك أسره.
غير أن اليقظة الوطنية ليست غائبة. فبفضل الله، وبفضل الاحترافية المتنامية للأجهزة الأمنية، تُسجّل بلادنا يومًا بعد يوم ضرباتٍ نوعية، تقوم على الرصد الدقيق، والتدخل الحازم، والاختراق الذكي لهذه الشبكات.
لكن المعركة لا تُحسم بالأمن وحده. إنها مسؤولية مجتمعٍ بأكمله: علماء ومثقفون، سياسيون وحقوقيون، نقابيون ومؤطرون اجتماعيون، مدرسون وإعلاميون، وجمعويون، وكل الغيورين على الوطن. فإما تعبئةٌ جماعية واعية، أو فراغٌ تتسلل منه هذه الشبكات.
فهذه الشبكات، كالفيضان والسيل الجارف، إن لم تُواجَه بحواجز وسدودٍ قوية، اجتاحت كل شيء، ولم تُبقِ ولم تذر.
اللهم احفظ بلادنا والبشرية من شرور الخلق والفتن.
هذا المحتوى مقدم من جريدة كفى
