ما بعد الضربة: قوةٌ بلا حسم.. وحربٌ تفتح أبواب إنهاكٍ أطول جو 24 :
كتب زياد فرحان المجالي -
في لحظات الحرب الكبرى، ينجذب كثيرون إلى ضجيج النار أكثر من هدوء النتيجة. تتجه الأنظار سريعًا إلى حجم الضربة، إلى عدد الأهداف، إلى كثافة القصف، إلى صور الدخان والانفجارات، وكأن المشهد العسكري وحده قادر على أن يختصر الحقيقة كلها. لكن التجربة تقول دائمًا إن الحروب لا تُفهم من ذروة النار، بل مما يبقى بعدها. فهناك فرق كبير بين ضربة تملأ الشاشات، وضربة تغيّر التاريخ فعلًا. وهناك فرق أعمق بين قدرة هائلة على التدمير، وبين قدرة حقيقية على إنتاج نهاية مستقرة.
ومن هنا، فإن قراءتي لما جرى بعد الضربة لا تقودني إلى الحديث عن حسمٍ كامل، ولا عن انتصارٍ نهائي، بل إلى نتيجة أكثر تعقيدًا وأكثر صدقًا: المنطقة لم تخرج من الضربة إلى الاستقرار، بل خرجت منها إلى طور جديد من الصراع، أشد إنهاكًا وأطول عمرًا وأقل قابلية للحسم السريع.
هذه هي الفكرة المركزية التي أراها اليوم بوضوح. فالضربة كانت كبيرة، نعم. والرسائل العسكرية كانت مباشرة وقاسية، نعم. لكن ما تلاها لم يحمل ملامح نهاية واضحة، بل حمل ملامح مرحلة مفتوحة: توتر مستمر، إعادة تموضع، قلق سياسي، حسابات عسكرية متجددة، وخشية كامنة من أن ما جرى لم يكن سوى جولة ضخمة داخل صراع لم يبلغ خاتمته بعد.
في تقديري، المشكلة الأساسية ليست في حجم الضربة، بل في حدود ما أنتجته الضربة. فمن يملك القدرة على الإيذاء لا يملك بالضرورة القدرة على الحسم. ومن ينجح في توجيه صفعة عسكرية قاسية، لا ينجح تلقائيًا في تحويلها إلى يقين سياسي. وهذا تحديدًا ما يجعلني أميل إلى القول إن ما جرى كشف حدود القوة أكثر مما أثبت اكتمالها. لقد أظهرت الأطراف المتفوقة أنها قادرة على الضرب، لكنها لم تُثبت بعد أنها قادرة على إغلاق المشهد وإنتاج وضع نهائي مستقر.
وهنا تكمن العقدة الحقيقية. لأن التفوق العسكري، مهما بلغ، لا يساوي بالضرورة نجاحًا استراتيجيًا كاملًا. النجاح الاستراتيجي لا يُقاس فقط بما تم تدميره، بل بما تبدّل فعلًا في بنية الصراع، وفي صورة الردع، وفي شكل الغد السياسي. فإذا كان الغد ما يزال محمّلًا بالقلق والاحتياط والاحتمال الدائم للعودة إلى النار، فهذا يعني أن الضربة، رغم قوتها، لم تنجز وحدها وظيفة النهاية.
أنا أرى أن ما حدث بعد الضربة أكد أن المنطقة دخلت مرحلة ما بعد الصدمة، لا ما بعد الحرب. وهذا فارق جوهري. لأن ما بعد الحرب يفترض أن موازين جديدة استقرت، وأن صورة المرحلة التالية باتت أوضح، وأن القوة نجحت في فرض منطقها النهائي. أما ما بعد الصدمة أو ما بعد الضربة، فهو زمن الارتباك وإعادة الحسابات وإعادة توزيع المخاوف. هو الزمن الذي لا تعرف فيه الأطراف إن كانت قد ربحت فعلًا، أم أنها فقط منعت خسارة أكبر. وهو الزمن الذي تبدو فيه الهدنة أقل من سلام، والردع أقل من حسم، والتفوق أقل من نهاية.
في هذا السياق، لا يبدو لي أن أحدًا خرج من المشهد مطمئنًا بالكامل. الطرف الذي استخدم القوة خرج وهو يعرف أن الضربة لم تتحول بعد إلى استقرار سياسي مضمون. والطرف الذي تلقى الضربة خرج وهو يعرف أن النجاة من السقوط لا تعني النجاة من الاستنزاف. وبينهما بقي الإقليم كله في منطقة رمادية: لا حرب أُغلقت نهائيًا، ولا تسوية نضجت، ولا يقين وُلد، بل فقط واقع جديد أكثر هشاشة وتعقيدًا.
وهذا ما يدفعني إلى القول إننا أمام لحظة انكشاف، لا لحظة تتويج. انكشاف لحدود القوة حين تُستخدم من دون أن تنتج يقينًا. وانكشاف لحدود الردع حين ينجح تكتيكيًا لكنه.....
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه
هذا المحتوى مقدم من جو ٢٤
