يواصل جمال المحافظ في كتابه الجديد " إعلام وسط التيار" الصادر حديثا، تأملاته حول الواقع الإعلامي وهو ينهل في ذلك من تجربته وتراكماته، كصحفي و مسؤول سابق بوكالة المغرب العربي للأنباء، و كمنخرط في العمل الجمعوي، خاصة ضمن الجمعية المغربية لتربية الشبيبة، والنقابة الوطنية للصحافة المغربية، و كباحث، كما ذكر الأستاذ الجامعي الحسن بوقنطار في تقديمه لهذا الإصدار الجديد.
ولاحظ بوقنطار أستاذ العلاقات الدولية بجامعة محمد الخامس بالرباط، بأن " جمال المحافظ على خلاف العديد من الأطر التي أنزوت و اعتزلت بعد نهاية مسارها المهني، و إحالتها على التقاعد، اكتسب نفسا إضافيا مكنه من الاشتغال على الكثير من القضايا التي تشغل بال الإعلام بصفة خاصة و المجتمع بصفة عامة" وهو ما توجه بإصدار عدد من الكتب التي قدمت إضافة مهمة و شكلت قيمة مضافة أساسا بالنسبة للمهتمين بالمجال الإعلام.
وأوضح في ذات التقديم، بأنه " ضمن هذا التوجه الشجاع"، يندرج هذا الكتاب الجديد الذي يسعى إلى مقاربة عدة قضايا تساؤل إجمالا تحولات الإعلام على ضوء التطورات الهائلة التي تعرفها تكنولوجيات الإعلام، و التي أفرزت الكثير من الإيجابيات من حيث إتاحة الفرصة لشرائح واسعة للحصول على المعلومات و التبادل و التفاعل، مما قلص عموما سلطة الحكومات واللوبيات من فرض تصور إعلامي أوحد، و تسويقه بشكل حصري لا يسمح بالمنافسة أو المجادلة في مصداقيته.
ويعتبر بوقنطار " في هذا السياق بأن الكتاب الجديد، يطرح من خلال هذا التطور الهائل عدة قضايا تسائل المجتمع، بمختلف مكوناته لعل أبرزها ما يتعلق بضبط هذه التحولات، و ضمان التوازن بين حرية التعبير التي تضمنها أغلب الدساتير، و بين الغلو في استعمالها بشكل يضر بمصداقية و موضوعية الإعلام و التواصل، حيث أن المغرب لا يمكن إن يبقى بمنأى عن هذه التحولات الهائلة و المتسارعة التي يشهدها الإعلام العالمي. و ليس غريبا أن يكون هذا الموضوع في قلب النقاشات المجتمعية، وكذا تمفصلات النموذج السياسي المغربي معها، كما يؤكد الأستاذ بوقنطار العضو السابق بالمحكمة الدستورية.
و أضاف بوقنطار أستاذ العلاقات الدولية، أن المؤلف يستحضر في ثنايا هذا الكتاب جملة من التساؤلات المرتبطة بهذه الجدلية بين العالمي و المحلي . و يكثف ذلك أساسا عبر فصلين، يتعلق الواحد منهما بمساءلة العلاقة بين السياسي و الإعلامي عبر تجربة حكومة التناوب التي قادها الكاتب الأول للاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية آنذاك، الراحل عبدالرحمن اليوسفي من خلال مقارنتها بتجربة الانتقال الديموقراطي في إسبانيا بعد وفاة الدكتاتور فرانكو حيث يحاول الكاتب على هذا المستوى، فك شفرة العلاقة المعقدة، ما بين السياسي و الإعلامي .
وبصفة عامة يحاول المؤلف، كما دأب على ذلك في عدة كتبه ومقالاته ومساهماته بمنابر إعلامية داخل وخارج المغرب، اثارة الانتباه الى أهمية الصحافة والاعلام والاتصال خاصة في ظل الثورة الرقمية التي كسرت احتكار الصحافيين للأخبار ونشر المعلومات، وفي خضم عالم معولم ومتغير، تنزع فيه وسائل الاعلام، بشكل أكبر نحو تفضيل الإثارة والشعبوية، كما جاء في تمهيد للمؤلف الكتاب الذي يتضمن ثلاثة فصول تتمحور حول الصحافة والاعلام وأسئلة التنظيم الذاتي للصحافة وفق رؤية متجددة مطلوبة، لقضايا الصحافة والاعلام التي تستأثر باهتمامات الرأي العام، واقتراحها على القراء.
وعلى نفس المنوال تحاول هذه فصول الكتاب، مقاربة ومناقشة عدة قضايا منها التساؤل حول الحدود ما بين نشر الاخبار والمعلومات المضللة التي أصبحت وسائل التواصل الاجتماعي مرتعا لها، مع محاولة رصد التحول الطارئ ليس فقط على وسائط الاتصال المتعددة، ولكن بعض وسائل الاعلام التي انساقت بدورها وراء تحقيق السبق في نشر الأخبار والصور بدون االاستناد على المعايير المهنية المعمول منها الاعتماد مصادر موثوقة مصادرها، والالتزام بأخلاقيات المهنة التي تعد ركنا رئيسا في الأداء الصحفي والإعلامي .
بيد أن الكاتب يعتبر بإنه إذا كان مستقبل الصحافة والإعلام والاتصال يرتبط بمتغيرات فكرية وسياسة وثقافية وإعلامية ومجتمعية، وما تطرحه تحديات الثورة الرقمية ورهانات الذكاء الاصطناعي، مع ما يلاحظ حاليا من انتشار للشعبوية، فإن الحييز العمومي نتيجة التوسع الهائل للتكنولوجيا الحديثة تحول إلى " فضاء إعلامي بامتياز"، تشكل ضمنه وسائط الاتصال النموذج الطاغي الذي يمارس هيمنة مباشرة على إنتاج المعنى، وعلى مختلف تمثلات الرأي العام.
وفي هذا السياق يسجل المؤلف في تمهيده للكتاب بأن التقنيات الجديدة، وإن كانت قد أتاحت الفرصة للجميع للحصول على المعلومات والتبادل والتفاعل، فإنها أدت بالمقابل الى تغيير جذري في البيئة الإعلامية، وممارسة الصحافة والإعلام. منها أن الانتقال من نظام للندرة، إلى نظام مغاير وجذري عنوانه الرئيس وفرة المعلومات التي تتراوح ما بين الصحيحة والمضللة أيضا. في ظل هذه السياقات المتميزة بتحولات عميقة، اجتماعية وسياسية وفكرية، وإعلامية وتواصلية، يرافقها " تغول التقنية"، وتحديات العصر الرقمي ورهانات الذكاء الاصطناعي، يأتي كتاب" اعلام وسط التيار"، الواقع في 220 صفحة والصادر عن مطبعة " رؤى برنت" بسلا.
للكاتب الصحفي جمال المحافظ، رئيس المركز المغاربي للدراسات والأبحاث في الاعلام والاتصال، مدير اعلام ورئيس تحرير مركزي سابق بوكالة المغرب العربي للأنباء MAP، فضلا عن " إعلام وسط التيار عدة مؤلفات منها "الاعلام في زمن اللايقين" العقل الصحافي والعقل السياسي "، "الأداء النقابي في "الاعلام المسار والتحول" و" التواصل من المجلة الحائطية الى حائط فيس" و"الاعلام ومونديال 2030"، و " محمد الحيحي .. ذاكرة حياة" بتأليف مشترك مع الفاعل الحقوقي والكاتب عبد الرزاق الحنوشي.
هذا المحتوى مقدم من جريدة كفى
