حكومة أخنوش والحراك الاجتماعي (2021 2026): بين تآكل الوساطة وإعادة تشكيل الخريطة الانتخابية في أفق 2026

تشكل الفترة الممتدة بين 2021 و2026 في المغرب لحظة سياسية مركبة يتداخل فيها التدبير الحكومي مع حراك اجتماعي واسع ومتعدد الفئات، شمل الطلبة والأساتذة والمحامين والعدول وفعاليات المجتمع المدني، إضافة إلى موجات شبابية رقمية مرتبطة بما اصطلح عليه بـ جيل زد . هذا التعدد لا يعكس فقط مطالب قطاعية متفرقة بل يشير إلى تحول أعمق في بنية العلاقة بين الدولة والمجتمع.

من منظور علم الاجتماع السياسي، يمكن قراءة هذا الوضع باعتباره مؤشرا على تزامن ثلاث تحولات كبرى:

أولا، استمرار اختلالات التوزيع الاجتماعي والمجالي، بما يجعل أثر السياسات العمومية غير متوازن في الإدراك المجتمعي.

ثانيا، تراجع وظيفة الوساطة السياسية الكلاسيكية (الأحزاب والنقابات) في تأطير المطالب وتحويلها إلى تفاوض مؤسساتي.

ثالثا، صعود أنماط احتجاج جديدة رقمية وشبكية، أقل هرمية وأكثر سرعة في التعبئة ما يعيد تشكيل مفهوم الفعل السياسي نفسه.

في هذا السياق، يصبح الحديث عن الشرعية الإنجازية للحكومة مسألة إشكالية. فهذه الشرعية التي تقوم على تقديم الأداء الاقتصادي والاستثماري كمصدر رئيسي للمشروعية السياسية تصطدم تدريجيا بما يمكن تسميته بـ الشرعية الاجتماعية المعيشة ، أي مدى انعكاس هذه المؤشرات على الحياة اليومية للمواطنين. وهنا تظهر الفجوة بين الخطاب الرسمي الذي يركز على الإنجاز والإدراك الاجتماعي الذي يركز على الكلفة المعيشية والعدالة الاجتماعية.

الإقناع السياسي... وحدود السردية الحكومية

في قلب هذا التحليل يبرز سؤال الإقناع السياسي: هل تمكنت الحكومة ورئيسها عزيز أخنوش من تحويل خطابها البرلماني حول الإنجاز إلى قناعة اجتماعية مستقرة؟

الواقع يشير إلى أن المشهد السياسي تحكمه اليوم منافسة سرديات أكثر من كونه مجرد تقييم تقني للسياسات. فالسردية الحكومية تقوم على الاستقرار الاقتصادي، الاستثمار، واستمرارية الإصلاحات، بينما تركز السردية المعارضة على العدالة الاجتماعية، وتفاوت الفرص، وفعالية السياسات العمومية، مع إبراز انتقادات مرتبطة بتدبير بعض الصفقات العمومية وما يرافقها من اتهامات حول تضارب المصالح أو استفادة شبكات قريبة من القرار.

لكن في التحليل السياسي لا يُقاس الإقناع فقط بقدرة الخطاب على الظهور بل بمدى ترجمته إلى ثقة اجتماعية مستدامة. ومن هذا المنظور فإن استمرار الحراك الاجتماعي واتساعه يوحي بأن هذا الإقناع ظل جزئيا وأن الفجوة بين القرار العمومي والإدراك الاجتماعي لم تُردم بشكل كافٍ.

نحو انتخابات 2026: إعادة تشكيل المشاركة السياسية

في ظل هذا السياق لا يمكن فصل الحراك الاجتماعي عن ديناميات المشاركة السياسية المرتقبة في انتخابات شتنبر 2026. فالعلاقة بين الاحتجاج والسلوك الانتخابي أصبحت أكثر تعقيدا، ويمكن استشراف ثلاث مسارات رئيسية:

1. سيناريو العزوف الانتخابي الواسع

وهو احتمال قائم بقوة، ويعكس انتقال جزء من الاحتجاج إلى شكل سلبي يتمثل في الانسحاب من العملية الانتخابية. هذا السيناريو يرتبط أساسا بتراجع الثقة في فعالية التمثيل السياسي خصوصا لدى الفئات الشابة.

2. سيناريو التصويت العقابي

في هذا المسار، يتحول الغضب الاجتماعي إلى سلوك انتخابي احتجاجي داخل صناديق الاقتراع يستهدف الأحزاب المهيمنة أو المشاركة في التدبير الحكومي، دون أن يعني ذلك بالضرورة وجود بدائل تنظيمية قوية أو مستقرة. وهو سيناريو يعكس ما يُعرف في الأدبيات السياسية بـ التصويت السلبي .

3. سيناريو إعادة التوازن الانتخابي المحدود

وهو سيناريو أقل حدّة، يفترض أن بعض الإجراءات الاجتماعية أو تحسن مؤشرات العيش قد يساهم في إعادة توزيع نسبية للأصوات، دون تغيير جذري في بنية النظام الحزبي أو الخريطة السياسية.

حظوظ حزب التجمع الوطني للأحرار: بين رصيد التدبير وكلفة الاحتجاج

في هذا السياق، تتحدد وضعية حزب التجمع الوطني للأحرار باعتباره الحزب الرئيسي في التجربة الحكومية، داخل معادلة دقيقة تقوم على ثلاثة محددات:

رأسمال التدبير الحكومي: أي مدى قدرة الحزب على تحويل الإنجازات الحكومية إلى رصيد انتخابي قابل للتصويت.

كلفة الاحتجاج الاجتماعي: حيث يمكن للحراك الاجتماعي، إذا استمر أو تصاعد، أن يتحول إلى عبء رمزي وسياسي على صورة الحزب في المخيال العام.

الرأسمال الرمزي للنخب الاقتصادية والسياسية: المرتبط بمدى قبول المجتمع لارتباط السياسة بتدبير الاقتصاد والصفقات العمومية، في ظل نقاش متزايد حول العدالة والشفافية.

بناء على ذلك، لا يمكن الحديث عن حتمية انتخابية مسبقة بل عن بيئة سياسية عالية السيولة تتداخل فيها العوامل الاجتماعية مع التحولات في أنماط التصويت. فحظوظ الحزب ستظل مرتبطة بقدرته على تحويل الإنجاز الاقتصادي إلى قبول اجتماعي واسع، وليس فقط إلى مؤشرات رقمية.

خلاصة تحليلية

تكشف تجربة 2021 2026 أن المغرب يعيش انتقالا تدريجيا من نموذج شرعية قائم على الأداء الاقتصادي إلى نموذج أكثر تركيبا تتداخل فيه:

فعالية السياسات العمومية

العدالة الاجتماعية

والثقة في المؤسسات الوسيطة.

وفي هذا الإطار، فإن انتخابات 2026 لا تبدو مجرد استحقاق انتخابي دوري بل لحظة اختبار لإعادة تشكيل العلاقة بين المجتمع والدولة في سياق يتزايد فيه حضور الأجيال الرقمية، وتتعقد فيه معادلات الوساطة التقليدية.

وبذلك، فإن السؤال الحاسم لم يعد فقط من يحكم؟

بل كيف يُحكم؟ وبأي قدر من القبول الاجتماعي والاستقرار الرمزي؟


هذا المحتوى مقدم من جريدة كفى

إقرأ على الموقع الرسمي


المزيد من جريدة كفى

منذ 7 ساعات
منذ 4 ساعات
منذ 7 ساعات
منذ 4 ساعات
منذ 6 ساعات
منذ 5 ساعات
2M.ma منذ 4 ساعات
هسبريس منذ 7 ساعات
هسبريس منذ 14 ساعة
موقع بالواضح منذ ساعتين
هسبريس منذ 6 ساعات
هسبريس منذ ساعتين
هسبريس منذ 9 ساعات
هسبريس منذ 6 ساعات