جدل المرجو بين المتوقع وغير المتوقع

الوجود الإنساني مغرق بالمهام والخطط المتأسسة على «ثيمة» الانتظار المحكوم بالدوافع العاطفية والمعرفية القلقة. هذا الانتظار الأكثر ملامسة لإيقاع الحياة يمثل شكلا من أشكال الانتباه المُرجأ في الزمن، كما يُمثل التأجيلَ الآسر للتجارب الوجودية المرجحة فيها كفة الاحتمال للخيبة أكثر من الغلبة.. ومن الالتباسات التي تُثيرها مسألة الانتظار، أنها العتبة التي يحرسها الغياب أو القدر أو المجهول أو المستقبل. وهذا يعني أنها تفقدنا عنصر الانتباه إلى الحاضر اللحظوي وتجعلنا أسرى للغد الذي لم يأت بعد، وما أتعس حالات الانتظار عندما تكون مبنية على وهم المخيلة وتوجس الفكر.

مما لا ريب فيه أن الإنسان ليس ما هو عليه فقط، بل هو دائما ما يعد نفسه به أن يكون. غير أن هذا الوعد يتضمن مآلات من الريبة والشك والغضب والأمل التي تجعله يعيش خيباتٍ مستمرة إلى حد نفاد الصبر (exasp ration de l impatience) من تبعاتها غير المتوقعة.

لا بد من الإشارة إلى أن الانتظار في جوهره ليس مجرد وقوف على عتبات الزمن، بل هو مخاض داخلي صامت يتحول فيه تراكم فراغ الصمت إلى قوة كامنة تحترق لتتحول. وهذا الاحتراق الهادئ يمثل خيمياء ظل الكيان الإنساني وحالة السكون النشط الحريص على حراسة الإمكانية لكي تتحقق. ومآل التحقق هو الذي يمنح القيمة للهدف المرجو وذلك من خلال التنقل بين أفق الممكن وحتمية ما سيكون. وما ينبغي أن تقودنا الملاحظة إليه أن الحدث في الانتظار من جهة إدراكه هو افتراضي وليس إنجازيا، من هنا ندخل في لعبة أفعال المقاربة والشروع. والحال هذه، كيف نوجه الانتظار إلى حدوث الإمكان؟ وما هذه الميتافيزيقا لوعي الغياب المَبني على قاعدة: الانتظار الخوف (L attente crainte) والانتظار الرغبة (L attente d sir)؟

ردحة الانتظار والكوجيطو المنتظر

إن أشكال المفاهيم كافة تَرسمها لوحةُ الانتظار التي هي بدَورِها تخلق الانتظار للحل. وهذا الحل يُمكن أن يكون جزءا من أزمة مبنية على صناعة الوهم، على نحو ما وصفه الشاعر اليوناني قسطنطين كفافيس في قصيدة «انتظار البرابرة» حيث يصور العدو كسبب لمعنى الهوية والنظام، وفقدانه كمبرر لوجود القوانين والأنظمة وهذا ما ينطبق على واقعنا في لبنان اليوم. فنحن دائما في انتظار الحل، وأحيانا يكون كارثيا، ومرد ذلك إلى حال الشلل الفكري التي نعيشها. على هذا النحو يجري تكييف الانتظار وتطويعه كي يكون استغلالا للوقت أو أداة توجيه من السلطة السياسية (Chronopolitique) بغية الوصول إلى تحقيق أهدافها.

يعتبر الفيلسوف وعالم النفس الألماني كارل غرووس (Karl Groos) أن الانتباه ليس مجرد استجابة للحاضر، بل هو في جوهره حالة من التوقع؛ فنحن لا نركز انتباهنا على الأشياء كما هي في اللحظة الراهنة، بل على ما ستؤول إليه أو ما سيتبعها من أحداث. ومفاد ذلك أن الانتظار هو المستقبل الآخذ في التشكل المُطرد (Futurition, le futur en train d advenir). وهذا بدوره يحيلنا إلى عدم الانتباه للحاضر، بل إلى الأمور المقبلة. على غرار حال المصغي إلى الموسيقى الذي يحاول أن يستصفي الأبعاد التي ترافق عملية السماع من خلال انتظاره للفواصل الموسيقية أو للإيقاع أو للنغمة. وعليه، يغدو الانتباه أكثر اتزانا وهدوءا من الانتظار.

الانتظار تعليق للتوقع

إن تداعيات الانتظار كثيرة منها النفسية والاجتماعية والدينية والثقافية والسياسية والفلسفية... وفي ظل التبعات الناجمة عن هذه التداعيات نصل إلى وضعيات مختلفة تكون صحيحة إذا تبناها الجانب العلمي، أو غير صحيحة إذا انقبض الجانب الحقيقي منها. ولا يفوتنا التنبيه إلى أن الانتظار يختلف من مقام إلى آخر وفقا للشيء الذي ننتظره. قد تكون مثلا القوة في الحب والاستعداد في الدين والصبر على الشدائد والحكمة في التدبير والأمل في الغيب والنضج في الرؤية والثبات في الأزمات.... ومن مفارقات هذا المفهوم أن كل من ينتظر، ينتظر في غيره في الدولة في الغيب في الآخر في السؤال....

من المفيد القول إن إدراكنا يرتبط بطبيعة توقعاتنا عن العالم والأشياء، وفي ظل تلك الرؤية القاصرة، نلحظ أن طبيعة المرء تدفعه أحيانا إلى أن يطوي الحاضر تحت جناح ما.....

لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه


هذا المحتوى مقدم من صحيفة الوطن السعودية

إقرأ على الموقع الرسمي


المزيد من صحيفة الوطن السعودية

منذ 9 ساعات
منذ 8 ساعات
منذ 6 ساعات
منذ 6 ساعات
منذ 10 ساعات
منذ 8 ساعات
صحيفة سبق منذ 10 ساعات
صحيفة الشرق الأوسط منذ 18 ساعة
صحيفة عكاظ منذ ساعة
صحيفة الشرق الأوسط منذ 18 ساعة
صحيفة عكاظ منذ 4 ساعات
صحيفة عكاظ منذ 18 ساعة
صحيفة الشرق الأوسط منذ 4 ساعات
سعودي سبورت منذ 17 ساعة