مونية المنصور: الصورة تعيد تشكيل الواقع .. والتلفزيون عند مفترق طرق

ثمة هدوء خاص يتسرّب من هذا الحوار، هدوء لا يعني السكون بقدر ما يحمل توتراً معرفياً خفياً؛ توتراً ينشأ من أسئلة تبدو مألوفة في ظاهرها، لكنها تنفتح، في عمقها، على مناطق قلقة من وعينا الجماعي.

وفي هذا الأفق، لا تأتي الكاتبة والباحثة المغربية مونية المنصور لتقدّم أجوبة جاهزة، وإنما لتعيد ترتيب الأسئلة نفسها، لتمنحها نفساً أطول، ومسافة تأملية تجعل من التلفزيون موضوعاً للتفكير، لا مجرد أداة للفرجة.

ومنذ اللحظة الأولى، يضعنا هذا الحوار المفتوح على صفحات هسبريس أمام حساسية منهجية نادرة، حيث يتداخل الصوت المهني بالصوت البحثي، ويتجاوز الانتماء المؤسسي مع المسافة النقدية. وهنا نتعامل مع مونية المنصور ككاتبة وباحثة مغربية في مجال الإعلام البصري.

وذلك ما يمنح خطاب مونية المنصور نوعاً من التوازن الدقيق بين الاعتراف بالإكراهات واستشراف الإمكانات، وبين الوعي بثقل التحولات الرقمية التي أعادت تشكيل المجال الإعلامي، وبين الإيمان بأن التلفزيون، رغم كل شيء، لم يفقد قدرته على أن يكون جزءاً من النسيج الاجتماعي والرمزي للمغاربة.

نص الحوار:

في ظل التحولات التي جعلت من التلفزيون مؤسسة لصناعة القيم لا مجرد وسيلة للترفيه، كيف تنظرين إلى موقع التلفزة المغربية؟ هل ما تزال قادرة على أن تكون فضاءً لطرح الأسئلة العميقة، أم أنها انزلقت نحو منطق الاستهلاك السريع؟

بداية، لا أخفيك أنّني أجد صعوبة في الحديث عن التلفزة المغربية، بحكم اشتغالي داخلها، الأمر الذي يتطلّب التحلي ببعض المسافة النقدية الموضوعية والحذر المنهجي لتقييم الأمور دون التسّرع في الأحكام، وتلك من قواعد البحث العلمي الأساسية. لكن، في تقديري، لا يمكن مقاربة وضع التلفزيون المغربي بمعزل عن التحولات العميقة والبنيوية التي عرفها المشهد الإعلامي عموماً، والتي مّست الاستخدام والجدوى، وأعادت تشكيل أنماط الإنتاج والاستهلاك الإعلامي، والأمر لا يعني المغرب فحسب، بل العالم، نظراً للثورة الرقمية التي استثمرت بشكل كبير في الصوت والصورة والنص بفلسفة جديدة وبإمكانيات هائلة، أتاحت للمواطن العادي التحكّم فيها، وفتحت المجال أمام فاعلين جدد – حتى لا أقول مؤثرين – خارج المؤسسات الإعلامية التقليدية، يمتلكون القدرة على إنتاج المضامين وتداولها بشكل تفاعلي وفوري.

ضمن هذا السياق المتحوّل، يمكن القول إنّ التلفزيون المغربي لا يزال يحتفظ بإمكانيات مهمة تجعله يقترب من قضايا المجتمع، والدليل هو نسب المشاهدة، حيث لا تزال العديد من الأسر المغربية تتحلّق حول التلفزيون كطقس اجتماعي يومي، بالرغم من أنه يصطدم اليوم بسياق إعلامي متغيّر يحكمه منطق السرعة والمنافسة والاستهلاك.

وعليه، فإنّ التلفزيون المغربي يجد نفسه أمام معادلة ليست بالسهلة، يحاول من خلالها التوفيق بين الطموح الثقافي وإكراهات الاستهلاك الإعلامي، وهو توازن يحتاج إلى مزيد من الاشتغال والتطوير وإعادة التفكير في خيارات الإنتاج.

انطلاقاً من فكرة أن الصورة لم تعد تنقل الواقع، وإنما يُعاد تشكيلها، إلى أي حد تعتقدين أن التلفزة المغربية تساهم في بناء وعي حقيقي بالذات المجتمعية، أم أنها تكرّس صوراً نمطية قد تتحول مع الوقت إلى مرجعيات جاهزة لفهم المجتمع؟

يجب أن نتّفق على أمر، وهو أن الصورة مهما كانت محايدة ومهما بدت موضوعية، لا يمكن اعتبارها نقلاً مطابقاً للواقع، وقد ظهرت دراسات كثيرة في هذا الباب، بعضها واكب ظهور التلفزيون، معتبرة أنّ كلّ ما ينقل عبر التلفزيون هو فقط محاكاة للواقع وليس الواقع، لأنّ التقاط الصورة يدخل فيه مجموعة من الاعتبارات الذاتية والاختيارات الجمالية والتقنية، كزاوية الالتقاط، والتأطير، وطبيعة اللقطات: هل هي قريبة أم بعيدة من الموضوع المراد تصويره، والإضاءة، وطريقة ترتيب الصور التي تصبح مشاهد – وهو ما يسمّى بالمونتاج – الذي يعيد ترتيب الواقع وفق منطق سردي معين، وصولاً إلى السياق الذي تعرض فيه الصورة. وبالتالي، فنحن أمام صناعة الصورة وأمام بناء رمزي وتأويل يعيد تشكيل الواقع وفق اختيارات جمالية وتحريرية معينة أكثر من نقله. باختصار، نحن أمام ما نرغب أن نكشفه وما نريد أن نخفيه.

من هذا المنطلق، تلعب التلفزة دوراً كبيراً في تشكيل تمثلاتنا عن المجتمع وعن ذواتنا، خاصة عبر آلية التكرار التي تساهم في ترسيخ صور ذهنية قد تتحوّل مع الوقت إلى مرجعيات شبه ثابتة أو إلى “حقائق اجتماعية”، وهو ما يتطلّب وقتاً ومجهوداً كبيرين لتغييرها.

في هذا الإطار، قد يساهم التلفزيون في تكريس الصور النمطية بدافع التبسيط وتحقيق سهولة التلقي، كما قد يساهم في محاربتها، حسب الدور المنوط به، وحسب عمق مسؤوليته الاجتماعية تجاه المشاهد، والإمكانيات التي يتيحها من خلال مواده لفتح أفق التفكير النقدي بدل تقديم الصور الجاهزة.

في الحالة المغربية، يمكن القول إنّ التلفزة تساهم في إبراز غنى وتنوع روافد الهوية الوطنية، لكنّها تسقط أحياناً في إعادة إنتاج الصور النمطية بدافع التبسيط أو متطلبات السوق. لذلك، فالرهان الحقيقي لا يكمن في نقل الواقع أو تمثيله، بل في القدرة على مساءلته، وعلى إنتاج خطاب بصري قادر على خلق مسافة نقدية لدى المشاهد تمكّنه من تفكيك ما يتلقّاه من مضامين تلفزية.

هناك من يرى التلفزيون المغربي فضاءً للتنوير، وهناك من يعتبره أداة لإعادة إنتاج “السطحية”. كيف تقيّمين التوازن داخل الإنتاجات الدرامية المغربية بين العمق الفكري ومتطلبات الفرجة؟

ينبغي التعامل بحذر مع مفاهيم مثل “التنوير” و”السطحية” لأنّها تحمل أحكاماً معيارية قد لا تعكس تعقيد الظاهرة الإعلامية. ومن قال إنّ وظيفة التلفزيون هي التنوير؟

يقوم التلفزيون كوسيط جماهيري في جوهره على ثلاث وظائف أساسية: الإخبار والتثقيف والترفيه، وهي وظائف تتداخل وتتقاطع داخل مختلف الأجناس التلفزيونية، وعلى رأسها الدراما، التي تعدّ من أكثر الأصناف قدرة على مساءلة البنى الاجتماعية والثقافية، لأنّها تبنى على التوتر والصراع الدرامي وعلى التناقض، ممّا يجعلها دعامة قوية في خلخلة المسلمات وإعادة تركيبها. وأعتبر أنّ التلفزيون المغربي يحتفل بالإنتاج الدرامي المغربي، حتى أننا لا نكاد نجد إنتاجات أجنبية أخرى، وهذا يعتبر في حدّ ذاته مكسباً مهماً – على الأقل على مستوى الكم – من حيث تعزيز الإنتاج المحلي وتثبيت مرجعية ثقافية وطنية. أمّا على مستوى الكيف، فهناك دراما مغربية استطاعت أن تحقّق توازناً نسبياً بين عمق التناول وجمالية العرض، وأخرى لا تزال محتشمة تتعثر في التبسيط وإعادة إنتاج نفس القوالب السردية. ويبقى تحقيق التوازن بين العمق الفكري ومتطلبات الفرجة رهناً بجودة الكتابة الدرامية وقوّة الرؤية الإخراجية وجرأة الطرح.

يُقال إن الترفيه أصبح القيمة المركزية في التلفزيون المعاصر. هل ترين أن برامج الترفيه في القنوات المغربية تكتفي بإمتاع الجمهور، أم أنها تشتغل أيضاً على تشكيل ذوقه وتوجيه اختياراته بطريقة غير مباشرة؟

يعدّ الترفيه مكوناً أساسياً في البنية الوظيفية للتلفزيون، بل هو أحد أعمدته الأساسية. غير أنّ اختزاله في مجرّد الإمتاع والتسلية يغفل أبعاده الثقافية التي تمتدّ إلى تشكيل الذوق العام، بل وحتى منظومة القيم.

في هذا الإطار، يمكن النظر إلى الترفيه باعتباره وظيفة مزدوجة: تحقيق المتعة والتسلية من جهة، والتأثير الرمزي من جهة ثانية، والذي قد يتجاوز أحياناً تأثير المضامين الإخبارية أو التثقيفية. غير أنّ استثمار هذا البعد يظلّ رهيناً بوجود رؤية تحريرية واعية توازن بين جذب المشاهد وبين عمق الرسالة. إلاّ أنّ للسوق والإشهار منطقاً.....

لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه


هذا المحتوى مقدم من هسبريس

إقرأ على الموقع الرسمي


المزيد من هسبريس

منذ 34 دقيقة
منذ 34 دقيقة
منذ 7 ساعات
منذ 3 ساعات
منذ 5 ساعات
منذ 4 ساعات
2M.ma منذ 11 ساعة
موقع بالواضح منذ 18 ساعة
هسبريس منذ 12 ساعة
جريدة أكادير24 منذ 14 ساعة
هسبريس منذ 15 ساعة
هسبريس منذ 22 ساعة
آش نيوز منذ 3 ساعات
هسبريس منذ 14 ساعة