لم يكن الخليج يوماً منطقة مستقرة بالمعنى الكامل، رغم ما قد يبدو من مظاهر هدوء نسبي في بعض المراحل. فمنذ أكثر من نصف قرن، تتكرر الأزمات بأشكال مختلفة، من صراعات مباشرة إلى توترات غير معلنة، بينما تبقى النتيجة واحدة: أمناً مهدداً، واستجابة متأخرة، ودروساً لا تُستثمر كما ينبغي. هذا التكرار لا يعكس طبيعة البيئة الإقليمية المعقدة فقط، بل يكشف عن فجوة مستمرة بين إدراك التحديات وآليات التعامل معها، وهي فجوة أصبحت مع الوقت جزءاً من نمط إدارة الأزمات في المنطقة.
المشكلة لا تكمن في غياب المفاهيم، بل في طريقة توظيفها. فالأمن القومي والأمن الإقليمي مفهومان راسخان في الأدبيات السياسية، لكنهما في كثير من الأحيان لا يترجمان إلى سياسات فعالة على أرض الواقع. ما نشهده غالباً هو نمط من ردود الأفعال، تُبنى على تقديرات غير دقيقة، أو على رهانات قصيرة المدى، ما يجعل إدارة الأزمات تحل محل بناء الاستقرار طويل الأمد. وبين هذين النهجين، تضيع فرص كثيرة كان يمكن أن تشكل أساساً لتحولات استراتيجية حقيقية.
وعند النظر إلى المقومات الأساسية للأمن، يتضح أن أيّ دولة خليجية بمفردها لا تمتلك جميع عناصر القوة اللازمة لتحقيق أمن شامل ومستدام، سواء من حيث العمق الاستراتيجي، أو الاكتفاء الغذائي، أو الاستقلال في الصناعات العسكرية. وحتى في الإطار الجماعي، لا تزال هناك فجوات قائمة في بعض هذه الجوانب، بخاصة في ما يتعلق بالأمن الغذائي والمائي والتصنيع العسكري. غير أن هذه الحقيقة لا ينبغي النظر إليها بوصفها نقطة ضعف، بل باعتبارها مدخلاً لتعزيز التكامل، وتحويل التحديات إلى فرص لبناء منظومة أمنية أكثر تماسكاً، تقوم على توزيع الأدوار واستثمار المزايا النسبية لكل دولة.
وفي موازاة ذلك، يواجه الخطاب التحليلي في المنطقة تحدياً لا يقل أهمية. فبين كثرة المحللين وقلة الطروحات الاستشرافية، تتكرر حالة الاعتماد على تفسير الأحداث بعد وقوعها، بدل استباقها بفهم عميق للمعطيات. هذا النمط لا يسهم في دعم القرار بقدر ما يعيد إنتاج المفاجأة، ويضع صانع القرار أمام خيارات محدودة. وقد أظهرت تجارب عدة أن التقديرات غير الدقيقة، سواء في المبالغة أو التقليل، كانت سبباً في فجوة واضحة بين التوقعات والنتائج، ما يضعف الثقة بالخطاب التحليلي، ويحدّ من تأثيره.
التاريخ القريب للمنطقة يحمل شواهد متعددة على ذلك، حيث لم تكن كثير من التوقعات بشأن مسارات الصراعات أو نتائجها على قدر كافٍ من الدقة. وهذا يطرح تساؤلاً جوهرياً حول طبيعة التفكير الاستراتيجي السائد، ومدى قدرته على.....
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه
هذا المحتوى مقدم من صحيفة الخليج الإماراتية
