في بلد يعتمد على الاستيراد لتأمين أغلب احتياجاته الغذائية والاستهلاكية والإنشائية، تحوّل رفع الرسوم الكمركية والأمانات الضريبية إلى ملف ضاغط على التجار والمواطنين معاً، بعدما انعكست الإجراءات الجديدة على حركة السوق والسيولة والأسعار، في وقت تحاول فيه الحكومة الترويج للتحول الإلكتروني وتبسيط إجراءات تسجيل الشركات.
ويقول مستشار تجاري في اتحاد الغرف التجارية العراقية، المهندس نبيل أحمد الخفاجي، إن رفع الرسوم الكمركية من 5% إلى 30%، وفرض الأمانات الضريبية بنسبة تتراوح بين 1% و3%، أثّر بشكل مباشر على أكثر من 100 ألف شركة تجارية وما يقارب مليون وربع تاجر في العراق .
وأوضح الخفاجي لـ عراق أوبزيرفر أن هذه الإجراءات سحبت جزءاً كبيراً من رأس المال التشغيلي من السوق، وخلقت شحّة حقيقية في السيولة لدى التجار، الأمر الذي انعكس على أسعار السلع، ودفع بعض الشركات إلى تقليص أعمالها أو تسريح موظفين في القطاع الخاص .
وأضاف أن السياسات الاقتصادية لا يمكن أن تُدار بمنطق الجباية فقط، لأن حماية الاقتصاد تحتاج إلى توازن بين إيرادات الدولة واستدامة السوق، لا إلى تحميل التاجر والمواطن أعباء إضافية في وقت يعاني فيه النشاط التجاري من ضغط واضح .
وتأتي هذه التحذيرات بالتزامن مع إعلان وزارة التجارة إطلاق منصة إلكترونية متكاملة لدائرة تسجيل الشركات، بهدف تسريع إنجاز المعاملات وتقليص الروتين، بعد أرشفة أكثر من 103 آلاف وثيقة و18 مليون مستمسك إلكترونياً، وهي خطوة تراها الوزارة جزءاً من إصلاح بيئة الأعمال والاستثمار.
لكن تجاراً يرون أن الأتمتة وحدها لا تكفي إذا بقيت كلفة العمل التجاري مرتفعة، فالمشكلة لا تتعلق فقط بسرعة تسجيل الشركة أو متابعة المعاملة، بل بقدرة التاجر على تمويل الاستيراد، ودفع الرسوم، وتحريك البضائع، والمحافظة على أسعار مقبولة داخل السوق.
وتزداد حساسية الملف مع استمرار اعتماد العراق على الاستيراد لتغطية جزء واسع من احتياجاته، إذ تشير تقديرات اقتصادية إلى أن حجم الاستيرادات من السلع والخدمات يتجاوز 100 مليار دولار سنوياً، بينها 80 إلى 90 مليار دولار للسلع فقط، فيما يغطي الاستيراد أكثر من نصف الاحتياجات الغذائية، مع اعتماد مرتفع على الخارج في مواد أساسية مثل الرز والسكر والزيوت النباتية.
وهذا الواقع يجعل أي زيادة في كلفة الاستيراد تنتقل سريعاً إلى المستهلك، فالتاجر الذي يدفع رسوماً أعلى وأمانات ضريبية إضافية وكلف شحن وتأمين وتمويل، يجد نفسه أمام خيارين، إما رفع الأسعار لتعويض الكلفة، أو تقليص الاستيراد والمخاطرة بنقص بعض المواد في السوق.
وفي المقابل، لا يبدو المنتج المحلي قادراً حتى الآن على ملء الفراغ، بسبب ارتفاع كلف الإنتاج وضعف الكهرباء والبنى التحتية وقلة التمويل، فضلاً عن عدم تفعيل قوانين حماية المنتج المحلي بالشكل المطلوب، ووجود منافذ غير رسمية تدخل عبرها بضائع لا تخضع للرقابة ذاتها.
وبين حماية المنتج المحلي وزيادة الإيرادات العامة، تبدو المعادلة العراقية معقدة، فالرسوم الكمركية قد تكون أداة لحماية الصناعة الوطنية حين تُطبق ضمن سياسة واضحة، لكنها تتحول إلى عبء تضخمي حين تُفرض على سوق يستورد معظم احتياجاته، ولا يمتلك إنتاجاً محلياً كافياً لتعويض النقص.
هذا المحتوى مقدم من عراق أوبزيرڤر
