قبل أن تضع السّابقةُ النّازيّةُ في ألمانيا النّظامَ الدّيمقراطيّ، وقد خرجتْ من رحمه ومن رحم صناديقه، موضعَ سؤالٍ وشكٍّ ومراجعة، كان الفكرُ السّياسيّ اللّيبراليُّ نفسُه (الفلسفة السّياسيّة خاصّةً) قد نبَّه على ما يعتور النّظام الدّيمقراطيّ من معايبَ ومَواطن عطبٍ تكشف عن حدوده، وعن الفجوة التي تفصل واقعَه المادّيّ عن نموذجه الذّهنيّ. ما كان التّنبيهُ على تلك المغبّة استباقيّاً: مُساقاً في شكل استشرافٍ نظريّ نقديّ يقرَع به فلاسفةُ السّياسة أجراسَ إنذارٍ قصد ترشيد نظامٍ قالوا به، وبَشّر به أسلافٌ قبلهم، وإنّما هو أتى يقرأ في حصيلةِ نظامٍ شُرِعَ في تطبيقه منذ قريبٍ من قرنين، مثلما أتى يواكبه بالتّحليل النّقديّ الصّارم. ولقد شهِدنا على ذلك التّدخّل الفلسفيّ النّقديّ المُراجِع لبداهات النّظام الدّيمقراطيّ منذ ما يقارب المئة عام التي سبقت قيامَ النّازيّة وانهيارَها وانقضاضَها، بالتّالي، على ذلك النّظام وإطفاءَها بريقَه.
ما كان مدشِّنو ذلك النّقد الفلسفيّ السّياسيّ للدّيمقراطيّة وللدّولة الوطنيّة، التي نشأت في أكنافها، ماركسيّين حتّى يبلوروا مقالةً نقديّة في تلك الدّيمقراطيّة، ولا هُم ردّدوا مواقف ماركس منها ونسفوها بأدواته المفهوميّة، فلقد أتت نتائجُ الثّورات الكبرى (الإنجليزيّة، الأمريكيّة، الفرنسيّة) تميط اللّثام عن طائفةٍ لا عَدَّ لها ولا حصر من التّناقضات والنّقائض والمفارقات التي أغرت بالاستفهام، وحَمَلَت حتّى اللّيبراليّين أنفسهم على بناء موقفٍ نقديّ مما يقع لهذا النّظام الدّيمقراطيّ وباسمه. من ذا الذي يجادل في أنّ مفكِّراً مثل أليكسي دو توكڤيل واحدٌ من أبناء الثّورة الفرنسيّة ومن منتوجاتها الثّقافيّة، وأنّ جون ستيوارت مِل، ابن الثّورتين الإنجليزيّتين الأولى والثّانيّة، الذي لم يتخلّ عن اللّيبراليّة فلسفةً وخياراً سياسيّاً حتّى في عزّ نقده النّظامَ الدّيمقراطيّ؟ مع ذلك، لم يمنعهما نَسبُهما إلى تلك الثّورات من نقد النّتائج السّياسيّة التي تولّدت منهما ومن النّظام السّياسيّ الذي أنجبتْه.
كم كان دالّاً أن يَحمل النّصفُ الأوّل من القرن التّاسع عشر معه كمّاً هائلاً من النّصوص امتلأت أوصافاً وأحكاماً شديدةَ.....
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه
هذا المحتوى مقدم من صحيفة الخليج الإماراتية
